كتاب الرأي

{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}

زاوية ” جمعتنا آية ” :

       ✍️ حسن المقصودي-كاتب سعودي:

إن القيم الإنسانية ليست حروفاً تسطر، بل هي أرواح في أجساد الفضيلة تتبختر، ومنهاج به حياض الحضارات تعمر. وإذا تتبعنا مرافئ النبل في مرافد الوجود، وجدنا العلياء ترتكز على أركان أربعة، ترفع للإنسانية سقفها، وتشيع في الكون دفأها.

جلال المساواة ووحدة الأصل
لقد انبلج فجر الإنسانية من معين واحد، وتفرعت غصونها من شجر ماجد، فلا رفعة لنسب على حسب، ولا مزية لفضة على ذهب. فالناس في سواسية الخلق كأسنان المشط، تستوي في نيل حقوقها بلا شطط ولا قحط. إن الاعتراف بأبوة الطين وجلال التكوين، يمحو من الصدور نزغات الكبر الدفين، ويغرس في الفطرة أن الكرامة حق مشاع، لا يملك أحد كبحه أو حجبه عن الانصياع.

جمال التنوع وثمار التعارف
ولم يكن اختلاف الألسن والألوان باباً للشقاق، بل هو آية تحفز النفوس على التلاق. إن رب البرية جعل الأنام شعوباً وقبائل ليتعارفوا، وفي ميادين البناء والتكامل يتآلفوا. فالتنوع في الكون لوحة بديعة الألوان، وتعدد الثقافات غنى يثري عقل الإنسان. ما أجمل أن نمد جسور التواصل عبر القفار، فنتبادل الحكم ونجتني من بساتين المعرفة أزكى الثمار، ليصبح العالم على اتساع مداه، صرحاً واحداً يجمع من والاه.

سناء العدالة ونبذ التمييز
وإذا قامت السماوات والأرض على ميزان الحق، فإن العدل هو روح هذا الخلق. لا يجوز أن يطغى لون على لون، ولا أن يبخس مظلوم حقه في هذا الكون. إن مطاحن التمييز العرقي تبيد الحضارات، وتحيل مواطن الأنس إلى قفر من النكبات. والعدالة الحقة هي التي تنظر إلى الإنسان لجوهرِه، لا لمظهرِه، وتبسط ظلها الوريف على الضعيف والقوي، والقريب والقصي، ليعيش الجميع في حمى أمن بهي.

بهاء التقوى ورفعة الأخلاق
وفي ختام المطاف، يبقى التفاضل بين البشر مرهوناً بما انطوت عليه الضمائر من نقاء، وما تحلت به الجوارح من تقوى وعطاء. إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وأقربكم من منازل المجد من كف أذاه وطهر مسعاكم. ليست العظمة بجاه يبيد، ولا بمال نضيد، بل بقلب سليم، وخلق رحيم، يسعى في الأرض بالإصلاح، ويفتح للناس أبواب الفلاح. فبالأخلاق تعلو الهمم، وبالتقوى تتسامى الأمم.

الخاتمة:
وخلاصة البيان، أن هذه الآية الكونية لم تكن مجرد نداء، بل هي ميثاق سماوي يرسي قواعد الإخاء، وينتشل البشرية من غيابات الجهل والجفاء. إن التمسك بقيمها هو طوق النجاة في زمن التناحر، والسبيل الأوحد لبناء غد متآزر متواصر. فلنجعل من هذا التوجيه الإلهي نوراً لقلوبنا، وهادياً لدروبنا، لتلتقي الأرواح على بساط المودة، وتسمو النفوس فوق ضغائن الفتنة والشدة.
والسلام ؛؛؛

للتواصل:
[email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى