
✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني :
ساعة الصفر
الساعة 5:00 عصراًــــ يشرف المسامر ورجاله على مراقبة العمال وهم يفرغون الحاويات من الأجهزة الطبية والاجهزة الالكترونيه في الشاحنات ، بدت الشمس وهي تكافح للبقاء فوق أفق مدينة الأبراج ، مرسلة أشعة برتقالية باهتة تنعكس على الهياكل الحديدية العملاقة للميناء ، إنها ساعة الذروة وتغيير الورديات لموظفي الميناء ، حيث الحركة في أوجها والتركيز في أدنى مستوياته عند البوابات.
انطلقت ثلاث شاحنات عملاقة وهي تتحرك ببطء، محاطة بأربع سيارات دفع رباعي سوداء تابعة لمنظمة “الذئب الأسود”. وكان ديبوا، يتوسط إحدى سيارات الحراسة المرافقة للشحنة مباشرة، يراقب المداخل وعيناه تجوب المكان ترقباً لأي حركة مريبة والرجال من حوله يضعون أيديهم على الزناد.
على بعد ثلاثة كيلومترات من البوابة الرئيسية، وتحديداً في “النقطة الميتة” – منعطف جبلي ضيق يربط الميناء بالطريق السريع – كان المشهد مختلفاً تماماً. الصمت هناك كان مريباً، لا يكسره سوى فحيح أجهزة اللاسلكي لرجال السيدة سلافة الذين ينتظرون إشارتها.
انفتحت بوابات الميناء الضخمة، وتحركت القافلة. تابعت الأرملة السوداء بعدسات الدرون تقدم السيارات، وما إن تجاوزت القافلة المنعطف ودخلت النقطة الميتة، حتى ضغطت بسبابتها على زر صغير في جهاز التحكم الصغير بيدها.
“بوم!”
شاحنة وقود تالفة ومفخخة، تم توجيهها عن بعد، اعترضت مقدمة القافلة وانفجرت لتسد الطريق تماماً بكتلة من اللهب والمسامير الحديدية التي مزقت إطارات سيارة الحراسة الأمامية. ارتسمت ابتسامة انتصار خفيفة وباردة على شفتي سلافة وهي ترى الانفجار يملأ الشاشة.
من فوق التلال الصخرية المحيطة بالمنعطف، ظهر رجال الأرملة السوداء كالأشباح. وبأمر خاطف من “صقر” عبر اللاسلكي: “نفذوا.. لا تتركوا أحداً واقفاً!”
انهمر الرصاص بغزارة كالمطر الأسود. استهدفت الصواريخ المحمولة على الكتف (آر بي جي) سيارات الحراسة الخلفية لقطع أي طريق للرجوع، مما جعل القافلة محاصرة في فخ الموت. كان القتال شرساً؛ ورغم المفاجأة، بدأ ديبوا بقيادة رجاله والرد باستبسال لحماية الشحنة التي تقدر بملايين الدولارات.
تحت وطأة النيران الكثيفة، التقط ديبوا جهاز اللاسلكي وصاح بصوت جهوري ممتزج بدوي الانفجارات: “من ديبوا إلى الذئب الأسود..! لقد تعرضنا لكمين غادر ومحكم في النقطة الميتة! الشحنة في خطر.. أكرر الشحنة في خطر!”
انتفض المسامر كالأسد الجريح فور سماع النداء، وصرخ في رجاله: “التعزيزات فوراً! تحركوا!” انطلق المسامر في مقدمة الركب داخل سيارته المصفحة الصلبة كالدبابة، وخلفه ثلاث سيارات مصفحة مليئة بالرجال المدججين بالسلاح، متوجهين بأقصى سرعة لنجدة ديبوا وحماية الشحنة.
حركت سلافة عدسة الدرون بذكاء لترصد المداخل المؤدية لنقطة الاشتباك؛ حيث كان “فريد” يجلس داخل سيارته الرياضية، وخلفه العشرات من رجال “عصابة القط الأسود”.
صدح صوتها الحاد عبر اللاسلكي: “فريد! المسامر ورجاله انطلقوا من داخل الميناء.. إنهم في طريقهم لنجدة ديبوا. احجزهم عندك.. لا تسمح لهم بالوصول!”
قربت عدسة الدرون ، لتشاهد فريد وهو يوعز لرجاله بقطع الطريق تماماً على تعزيزات آل السامر. وبمجرد ظهور سيارة المسامر المصفحة، أطلق رجال فريد وابلاً من النيران وقذائف الآر بي جي لتعطيل الموكب وتشتيته.
ترجل المسامر من سيارته بقوته الضخمة ونظراته الحادة كالشفرة، يلتف حول عنقه وشاح رمادي..! رفع سلاحه وبدأ بإطلاق النار بدقة مرعبة تفجر إطارات سيارات المهاجمين، وصاح بغضب: “إنها عصابة القط الأسود! فريد يحاول تشتيتنا لصالح سلافة! بادروهم بالهجوم!”
اشتدت المواجهة بين المسامر وفريد؛ حيث استمات فريد ورجاله في إغلاق الزقاق المؤدي إلى النقطة الميتة، مانعين المسامر من التقدم خطوة واحدة لإنقاذ الموقف.
فريد في المأزق ومناورة الهروب
اتسعت عينا فريد ذهولاً وهو يرى خطته تتهاوى أمام شراسة المسامر الذي كان يتقدم كالبلدوزر لا يرحم، وهو ما رصدته كاميرا الدرون الحرارية بوضوح تبيّن دقات قلبه المتسارعة. صرخ فريد عبر اللاسلكي بصوت يرتجف محاولاً إخفاء ذعره: “تباً! المسامر يقاتل كالمجنون! ألم ينتهي صقر ورجاله يجب أن انسحب!”
همست سلافة لنفسها ببرود وهي تراقب ارتباكه على الشاشة: “أنت مجرد طُعم يا فريد.. عليك الصمود قليلاً بعد.”
رغم الضغط الرهيب من المسامر، نجح فريد في الصمود لبضع دقائق كانت كفيلة بقلب موازين المعركة في الجهة الأخرى. نظر فريد إلى ساعته؛ كانت العقارب تشير إلى الخامسة وخمس وعشرين دقيقة.
“خمس عشرة دقيقة.. هذا يكفي لكي تبتعد الشاحنات!” تمتم فريد لنفسه والعرَق يتصبب من جبهته.
ضغط فريد بسرعة على زر تفجير قنابل الدخان التي زرعها رجاله مسبقاً في الأزقة. انبعث غاز رمادي كثيف حجب الرؤية تماماً في المحيط، فتحولت شاشة سلافة فوراً إلى الرؤية الليلية/الحرارية لمواصلة المراقبة. تراجع فريد نحو سيارته وهو يصرخ في اللاسلكي مستدعياً ما تبقى من رجاله: “انسحاب! انسحاب ! لقد أدينا المهمة وعطلناهم.. فليواجه البارون واخته جنون المسامر!”
تحت غطاء الدخان وصوت الرصاص المتبادل، انطلقت سيارة فريد هرباً بأعجوبة من قبضة المسامر الغاضب.
الغنيمة تتجه نحو الضباب
وفي النقطة الميتة، ورغم القتال المستميت الذي قاده ديبوا، إلا أن الحصار المحكم من رجال صقر وكثافة النيران وفصل التعزيزات عنهم حقق هدفه. استغل صقر الوقت الثمين الذي اشتراه فريد، وأجهز رجاله على ما تبقى من حراس الشاحنات، مجبرين ديبوا على التراجع التكتيكي لحماية من تبقى من رجاله بعد أن حُسمت الجولة لصالح المهاجمين.
رأت سلافة عبر الدرون سائقيها المحترفين وهم يصعدون بسرعة فائقة إلى مقاعد الشاحنات الثلاث العملاقة التي تحوي الأجهزة الطبية والإلكترونية.
التفت صقر نحو الشاحنات وأشار بيده بقوة، وصوته يتردد عبر اللاسلكي في غرفة سلافة: “الخط مفتوح! تحركوا فوراً نحو الطرق الجبلية الوعرة.. البارون ينتظركم في المدينة الغائمة!”
انطلقت الشاحنات الضخمة وسط الغبار، تاركةً خلفها ساحة معركة مشتعلة. وفي تلك الأثناء، وصل المسامر أخيراً إلى النقطة الميتة بعد انقشاع الدخان، ليجد ديبوا مصاباً بجروح طفيفة ويتنفس بصعوبة وسط الأنقاض.
وقف قائد منظمة الذئب الأسود (المسامر) وسط الغبار المخيم على المكان، ينظر برأس مرفوع نحو الطريق الجبلي المؤدي إلى المدينة الغائمة، وعيناه تشعان غضباً وتوعداً بالأخذ بالثأر ، ثم اللقى نظرة على السماء ورأى طائرة الدرون.
التقطت عدسة الدرون نظرته الغاضبة الأخيرة قبل أن تُصدر الأرملة السوداء أمراً عن بُعد بإعادة الطائرة المسيرة إلى قواعدها. أغلقت الشاشة الرقمية، ثم التفتت إلى النافذة المطلة على صحراء قمرة، وقالت بنبرة هادئة واثقة: “الضربة الأولى نجحت.. الدور الآن عليك يا أخي البارون.”
يتبع…
[email protected]



