حاراتنا القديمة… ذاكرة لا تُهدم!!

✍️أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي _ كَاتِبٌ سَعُودِيٌّ:
عندما يتنفس الصباح وتطلع الشمس خيوطها الذهبية، لا تأتي لتحتفي بالحاضر وتطوراته فحسب، بل لتوقظ في الذاكرة ماضياً سكن الحجارة، وتستدعي من صمت الشوارع والأزقة حكايات الأجداد التي نقشها الزمن على الجدران. في هذا الضوء الذي يعيد للأشياء ألوانها، تظهر الحقيقة جلية: إن الأمم التي تصون ماضيها هي وحدها القادرة على أن تمتلك حاضراً أصيلاً ومستقبلاً واثقاً. ففي معظم دول العالم، الغربية منها والعربية، تحظى الأحياء القديمة بعناية خاصة، وتُنفق عليها الميزانيات، وتُسن لها انظمة ولوائح، ليس بدافع الحنين إلى الماضي فحسب، بل لأنها تُعدّ سجلاً حيّاً للهوية، ومرآة تعكس ذاكرة الأمم وحضارتها المتراكمة. ففي شوارع “الحي اللاتيني” بباريس، وأزقة “المدينة العتيقة” بتونس، وحارات “صنعاء القديمة” المسجلة على لائحة التراث العالمي، لا يُنظر إلى البيوت القديمة على أنه عقار آيل للسقوط، بل كنز ثقافي يُرمَّم حجراً حجراً، ويُحاط بشبكة من الحوافز والدعم، حتى غدا كثيرا منها مقصداً للسياح ومصدراً للدخل، ومادة فخر يتباهى بها الأبناء أمام العالم. أما عندنا، فالمشهد مختلف؛ فما تزال نظرتنا إلى الحارات القديمة قاصرة، فنُسرع بهدم بيوت آبائنا وأجدادنا بأيدينا، ونستبدلها بكتل إسمنتية متشابهة، لا روح فيها ولا حكاية، وكأننا نغيب شئ من تاريخنا بدل أن نعتز به، رغم أن رؤية المملكة 2030 قد وضعت الحفاظ على الهوية والتراث الوطني وتعزيزه والاعتزاز به وربط الأجيال اللاحقة به ضمن مستهدفاتها الاستراتيجية، مؤكدة أن الثقافة والتراث ركيزة أساسية للتنمية المستدامة ومصدر قوة ناعمة. وللإنصاف، فقد بدأ الاهتمام والعناية بالمساجد الأثرية والأماكن التاريخية خطوة رائدة على المسار الصحيح، تبعث على التفاؤل، وتؤكد أن الإرادة حاضرة لإعادة الاعتبار لذاكرتنا العمرانية، وتحويلها إلى وجهات حية تنبض بالحياة كما هو ظاهر في مشروعات مثل “جدة التاريخية” و”الدرعية التاريخية” التي أثبتت أن الحجر القديم يمكن أن يتحول إلى اقتصاد مزدهر وهوية حاضرة. وتمثل البيوت القديمة إرثاً حضارياً ورمزاً للهوية الثقافية، تروي تفاصيل حياة الآباء والأجداد، وتبقى ركيزة أساسية لتعزيز الانتماء الوطني، ففيها عبق التاريخ وتشكل ذاكرة للمجتمع وتدعو للفخر بالتراث، إذ تجمع بين أصالة الماضي وروح المستقبل. إلا أن الطريق لا يزال طويلاً، فغياب توجيهات وأنظمة لحماية المباني التراثية، وندرة برامج الترميم المدعومة، وضعف الوعي المجتمعي بقيمة هذا الإرث، قد حوّل الإهمال إلى سلوك، والنسيان إلى مصير محتوم لكل ما هو قديم، وهذا يتناقض مع توجه واضح يدعو إلى صون كل ذرة من ترابنا التاريخي. والحفاظ عليها مسؤولية تاريخية وإنسانية تقع على عاتق الأفراد والجهات المعنية، فهي أمانة في أعناقنا قبل أن تكون مشروعاً. والحقيقة أن الخسارة ليست خسارة حجارة وجدران فحسب، بل هي خسارة هوية واقتصاد وروح؛ فسياحة التراث لا تعرف الكساد، ومدن العالم لا تُعرف من ناطحات سحابها التي تتشابه في كل مكان، بل من تفاصيلها القديمة التي لا تتكرر، والأجيال لا تنتمي لوطن لا يرى فيه أثراً لأجداده. إن التطور الحضاري لا يقتضي محو الماضي، فاليابان تمتلك أعلى الأبراج وأقدم الأماكن التاريخية،في آن واحد، والأمر لا يحتاج إلى معادلة صعبة بقدر ما يحتاج إلى قرار واعٍ بأن هويتنا هي أثمن استثمار لنا، وأن الحفاظ على حاراتنا القديمة ليس ترفاً ثقافياً، بل واجب وطني وتطبيق عملي لمستهدفات رؤية 2030، وسؤال؟ نطرحه على أنفسنا قبل فوات الأوان: أي ذاكرة سنترك لأبنائنا؟ صوراً مخزنة على هواتفهم، أم شوارع يمشون فيها ويقولون بفخر وإعتزاز: هنا عاش أجدادنا، وهنا بدأت حكايتنا التي نكملها اليوم.
للتواصل : [email protected]



