كتاب الرأي

الهايكنج في عسير.. حين تُصافح الأرواحُ الغيم

    ✍️  محمد بن زايد آل مشافع – كاتب سعودي : 

ليست كلُّ الطرق تؤدي إلى وجهة، فبعضها يقود إلى حالةٍ من الصفاء لا تُشترى، وإلى شعورٍ من السكينة لا يُمنح إلا لمن قرر أن يترك ضجيج المدن خلفه، ويمضي بخطواته نحو الطبيعة. وهنا يأتي الهايكنج؛ ذلك النشاط الذي يراه البعض مجرد مشيٍ في الهواء الطلق، بينما يراه العارفون رحلةً عميقةً إلى أعماق النفس.

وفي عسير، لا يكون الهايكنج رياضةً فحسب، بل يصبح حكايةً تُروى، وتجربةً تُعاش، وذكرى تستقر في القلب قبل أن تحفظها الذاكرة.

كيف يمكن للمرء أن يصف شعوره عندما يكون الضباب رفيق دربه في كل منعطف؟ حين يتسلل بين الأشجار، ويعانق القمم، ويغلف المكان بردائه الأبيض، حتى تبدو المسارات وكأنها معلقة بين الأرض والسماء. هناك لا تسير في طريقٍ عادي، بل تمضي في مشهدٍ أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع.

ثم تأتي تلك اللحظة المهيبة التي تقف فيها على إحدى قمم عسير الشامخة، فترى السحاب تحت قدميك. نعم، تحت قدميك. تتأمل أمواج الغيم وهي تتهادى في الأودية والسهول السحيقة، بينما تقف أنت فوقها في مشهدٍ لا تمنحه إلا الجبال العظيمة. عندها تدرك أن بعض المناظر لا تُلتقط بالعدسات، بل تُحفر في الوجدان.

وفي كل خطوة، تمنحك الطبيعة هديةً جديدة؛ عبير الحبق، ونفحات السنوت، وشذى اللافندر، وأريج العرعر، وروائح النباتات البرية التي تتصاعد مع نسمات الجبال الباردة، فتملأ المكان بعطرٍ لا تصنعه المصانع ولا تحفظه القوارير. إنه عطر الأرض حين تكون في أجمل حالاتها.

أما الموسيقى هنا فلا تأتي من المسارح، بل من الحياة ذاتها؛ زقزقة العصافير التي تتردد بين الأغصان، وحفيف الأشجار وهي تلوّح للريح، وخرير الجداول المتسللة بين الصخور، وهدير الشلالات المنحدرة من أعالي الجبال. أصواتٌ تتناغم في سيمفونية طبيعية تجعل الإنسان أكثر قربًا من ذاته، وأكثر انسجامًا مع الكون من حوله.

ولعل أعظم ما يمنحه الهايكنج في عسير أنه يعيد للإنسان توازنه المفقود. فبين القمم الشاهقة، والغابات الوارفة، والمدرجات الزراعية، والأودية السحيقة، يكتشف المرء أن الراحة النفسية ليست رفاهيةً بعيدة المنال، بل قد تكون في خطوةٍ هادئة على دربٍ جبلي، أو في وقفة تأمل أمام مشهدٍ طبيعي بديع.

لقد وهب الله عسير من التنوع البيئي والجمال الطبيعي ما جعلها واحدةً من أجمل البيئات الملائمة لممارسة الهايكنج في المملكة، بل وجهةً تستحق أن تُدرج ضمن أبرز مواقع المشي في الطبيعة على مستوى العالم. فهنا تتجاور الجبال والغابات والسحب والشلالات والنباتات العطرية في لوحةٍ متكاملة قلّ أن تجتمع عناصرها في مكانٍ واحد.

ولهذا فإن الهايكنج في عسير ليس دعوةً إلى المشي، بل دعوةٌ إلى التأمل، وإلى استعادة التوازن، وإلى إعادة اكتشاف الجمال الذي قد نمر به كثيرًا دون أن نمنحه حقه من التأمل والانبهار.

ومن سار في دروب عسير بين الضباب والسحاب، واستنشق عطر جبالها، وأصغى إلى أنغام طبيعتها، سيوقن أن بعض الرحلات لا تقاس بعدد الكيلومترات التي قطعها الإنسابل بما تركته في روحه من أثرٍ لا يزول.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى