كتاب الرأي

لحظة الصفر

✍️منصور عبدالله الزهراني – كاتب سعودي :

وحدي على هذا الطريق الصحراوي المظلم في طريقي إلى العمل؛ فاليوم سأستلم النوبة الليلية. السماء ملبدة بالغيوم فلا قمر ولا نجوم. عتمة كالحة رحت أشقها بالمصابيح الأمامية لسيارتي. صوت احتكاك إطارات السيارة بالإسفلت يبعث على الراحة والاسترخاء، وأستغرق عندها في الأفكار.. أفكار غير اعتيادية:
* ماذا لو مت الآن؟
* ماذا لو انحرفت بي السيارة وانقلبت؟
* ماذا لو انفجر الإطار؟
* ماذا لو فاجأني جمل شارد وارتطمت به؟
كل هذه الأفكار تدور في رأسي وأنا مسترخٍ تماماً…

أفكر في جنازتي؛ من سيبكي عليّ؟ أفكر في أمي حين يأتيها خبر موتي، وأتصور المشهد بكل تفاصيله: عويلها ونحيبها وبكاءها… ثم أنتقل إلى أصدقائي وزملاء العمل؛ من سيحزنه فراقي أكثر؟ ومن منهم لن يهتم كثيراً؟

هذه هي هوايتي، ففي كل يوم أتخيل طريقة جديدة أموت بها..!

اسمي زياد، أبلغ من العمر ثمانيةً وثلاثين عاماً. لا أعتقد بأنني أعاني من أي مشاكل نفسية إطلاقاً فحياتي عادية جداً: وظيفة مرموقة، وراتب ممتاز، وبدلات عالية، وعائلة، وأصدقاء… شخص عادي جداً..!

في الواقع لا أعرف تماماً متى بدأت عندي هذه التخيلات، ولكن ربما كانت بدايتها أيام الدراسة، حيث كان لدينا معلم ممقوت يبعث شرحه على السأم والملل في تلك الحصص البغيضة. اكتشفت وقتها متنفساً رائعاً ألا وهو أحلام اليقظة. بدأت هذه الأحلام بريئة كالدراسة الجامعية والزواج والسفر… أعتقد أنني تزوجت ما يقرب من عشرين فتاة في تلك السنة من مختلف دول العالم..! وعندما أقول إنني اكتشفت أحلام اليقظة فأنا أقصد أنني لم أتعمق فيها بهذا الشكل من قبل. كان الحلم الواحد يستمر معي أسابيع طويلة، فإذا بدأت حلماً جديداً تجسدت كل التفاصيل الدقيقة في رأسي وكأنني أشاهد فيلماً طويلاً أنا فيه المخرج والكاتب والبطل في آنٍ واحد. وربما تنتهي القصة بشكل مفاجئ وبدون نهاية مقبولة درامياً متى ما مللتها..!

أحد الموضوعات التي بدأت تتسلل تدريجياً إلى مخيلتي الخصبة في ذلك الوقت، ولا أتذكر بالضبط كيف بدأت، كان موضوع الموت..! ولسبب أو لآخر افتتنت بهذا الأمر لدرجة الهوس، فأصبحت أقرأ كتباً كثيرة عن الموت والقبر والآخرة… كتباً دينية في الغالب. وربما ما زاد افتتاني هو قلة معلوماتي في ذلك الوقت عن هذا الموضوع. تلاشت أحلام اليقظة التي تتناول السيارات والأمور الأخرى مع تقدمي في العمر، لكن أحلام الموت ظلت كما هي..! انتقلت هذه الأحلام معي من المدرسة إلى الجامعة، ومن الجامعة إلى هذا الطريق الطويل الذي أقطعه يومياً في طريقي إلى العمل. في الحقيقة لا أمل التفكير في هذا الأمر، ففي كل يوم أكتشف طرقاً جديدة للموت كحوادث الحرق والقتل والاختناق..! أما الميتات السريرية العادية فلا تثير اهتمامي.

في الفترة الأخيرة، وبعد أن نفدت كل سيناريوهات الحوادث، بدأت أفكر في الانتحار! لقد وجدت في هذا الباب بئراً لا ينضب من الأفكار الجديدة، أفكاراً مبتكرة لم تطرأ على بالي من قبل. رحت أيضاً أفكر في رسالة الانتحار، هل أوجهها لأحد بالذات؟ أم إلى المجتمع البشري برمته؟ هل أكتب رسالة طويلة بلغة أدبية فاخرة؟ أم تكون رسالتي مجرد جملة واحدة “طز في الدنيا” مثلًا!

أعرف بأن الانتحار حرام، ولكن هل مجرد التفكير فيه حرام؟ لا أعتقد ذلك؛ فالإسلام قد كفل لنا حرية التفكير حتى في المعاصي ما لم تتحول إلى قول أو عمل. فضميري مرتاح من هذه الناحية، وأستطيع ممارسة هوايتي هذه كما أريد.

اليوم اكتشفت طريقة انتحار جديدة..! والجميل فيها أنني أستطيع تنفيذها في أي وقت. إنني أستطيع تنفيذها الآن إذا أردت..! فكل ما أحتاج إلى فعله هو زيادة سرعة السيارة والبحث عن هدف صلب وثابت كي أصطدم به. أهااا… عمود الكهرباء هذا جيد ويؤدي الغرض. ستنشق سيارتي إلى نصفين، وفي الغالب ستطير جثتي عبر الزجاج الأمامي. صورة الاصطدام العظيم جعلت الأدرينالين يتدفق في جسمي، وقلبي الآن صار يخفق بشدة. لقد بدأت أنحرف بالسيارة إلى الاتجاه المعاكس للسير..! لا أنوي الانتحار بالطبع، ولكن أجواء الحلم تتعزز بشكل كبير في داخلي، فحماسي لا يوصف..!

حسناً… يجب أن أعود إلى مساري. كفاني أحلاماً وتهيؤات، فلا شيء أحلى من الواقع… هي مجرد لعبة ذهنية، هكذا كنت أظن. ولا مجال لمزيد من التفكير فيها الآن.

ها هي لحظة الصفر… لقد وصلت إلى مقر عملي.

في هذه الليلة تعلمت درساً لم أتعلمه طوال سنوات أحلامي، وللمرة الأولى أدركت أنني لم أكن ألعب مع الفكرة، بل كانت هي التي تلعب بي. فليست كل الأحلام جديرة بأن تتحقق؛ فبعضها خُلق ليبقى حلماً، وما إن يخطو خطوة واحدة نحو الواقع حتى يتحول إلى مأساة..!

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى