كتاب الرأي

الفقد… ما بين الحقيقة والخيال

        ✍️أزهار سفر – كاتبة سعودي :

ليس الفقد هو الموت وحده، بل هو اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن بعض الفراغات لا يملؤها أحد، وأن الزمن، مهما مضى، لا يعيد ما أخذه.
عندما نفقد شخصًا عزيزًا، لا يرحل وحده، بل يرحل معه جزء من تفاصيلنا؛ صوتٌ اعتدنا سماعه، مقعدٌ ألفنا وجوده، ورسائل لم تعد تصل. عندها يبدأ العقل في معركة لا يراها أحد، معركة بين الحقيقة التي تقول: لقد رحل، والخيال الذي يهمس: ربما يعود… وربما كان كل هذا مجرد كابوس.

ولهذا يبدو الفقد في أيامه الأولى أقرب إلى الوهم. نسمع أصواتهم في الممرات، نلتفت كلما تشابهت الوجوه، ونفتح الهاتف على أمل أن نجد رسالة منهم، رغم يقيننا بأنهم لن يأتوا . ليس لأننا نجهل الحقيقة، بل لأن القلب يحتاج وقتًا أطول من العقل ليصدقها.
الفقد لا يقيسه عدد الدموع، بل عدد المرات التي تبتسم فيها ثم تتذكر أن الشخص الذي كنت ستخبره بهذا الخبر لم يعد موجودًا.

يقاس بالصمت الذي يخلفه غياب شخص كان يملأ المكان بالحياة، وبالأسئلة التي لا تجد إجابة، وبالأحاديث التي تستمر داخلنا رغم أن الطرف الآخر لم يعد يسمعها.

والأشد قسوة أن الحياة لا تتوقف. تستمر الأيام، وتشرق الشمس، ويضحك الناس، بينما يشعر المفجوع أن الزمن خانه؛ كيف للعالم أن يمضي وكأن شيئًا لم يحدث، بينما عالمه الشخصي قد انهار؟

ومع مرور الوقت، لا يختفي الألم كما يظن البعض، بل يتغير شكله. يصبح أكثر هدوءًا، لكنه أعمق. نتعلم أن نتعايش معه، لا أن نتجاوزه. فالفقد ليس جرحًا يلتئم تمامًا، بل أثرٌ يبقى في الروح، يذكرنا بأننا أحببنا بصدق.

ومع ذلك، يحمل الفقد درسًا عظيمًا؛ فهو يعرّفنا بقيمة من نحب قبل أن يغيبوا، ويوقظ فينا حقيقة أن الحياة أقصر من أن تؤجل فيها كلمة طيبة، أو اعتذارًا، أو لقاءً، أو دعاءً. فمن يؤجل مشاعره بحجة أن الوقت ما زال طويلًا، قد يكتشف يومًا أن الزمن كان أسرع مما ظن.

يبقى الفقد واحدًا من أكثر التجارب الإنسانية صدقًا، لأنه يجرد الإنسان من كل أقنعته، ويجعله يواجه هشاشته، وضعفه، وحقيقة أن كل ما في الدنيا عابر. لكنه، في الوقت ذاته، يذكرنا بأن الحب الصادق لا ينتهي بالرحيل، بل يتحول إلى دعاء، وإلى ذكرى، وإلى أثر جميل لا يمحوه الزمن.

فالحقيقة تقول إن الراحلين لا يعودون، لكن الخيال يمنحنا القدرة على الشعور بأنهم ما زالوا يسكنون في تفاصيلنا. وبين الحقيقة والخيال… يعيش الفقد، وتستمر الحياة، ويبقى القلب يحمل أسماءً لن ينساها مهما مضى العمر.
ويبقى العزاء الأكبر أن من نحبهم قد يغيبون عن الدنيا، لكنهم لا يغيبون عن الدعاء، ولا عن الذاكرة، ولا عن القلب.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى