أمي.. لقد ذكرتك والرماح نواهل

✍️طاهرة الشامسي – كاتبة عمانية :
أمي..
ذكرتك في كل موطنٍ اشتد فيه الوجع، وفي كل لحظة شعرت فيها أن الحياة أثقل من أن أتحملها وحدي. ذكرتك حين ضاقت بي الأرض بما رحبت، وحين وقفت أمام الأيام حائرةً، أبحث عن صوتك الذي كان يهدّئ الفوضى في داخلي، وعن يديك اللتين كانتا تمسحان عن قلبي كل تعب.
أمي، منذ رحيلك تغيّر شيء كبير في هذا العالم، شيء لا يراه الناس، لكنه يسكن أعماقي كجرحٍ لا يندمل. رحلتِ، لكنكِ تركتِ فراغًا لا يملؤه أحد، وصمتًا لا يكسره شيء، وحنينًا يتجدد كل يوم كأنه وُلد للتو.
أذكركِ حين كانت الحياة بسيطة بوجودك، وكان البيت عامرًا بصوتك، وكانت الطمأنينة تسكن الزوايا لأنكِ فيها. كنتِ الحضن الذي يضمّني قبل أن أنطق، والملاذ الذي أهرب إليه قبل أن تشتد بي العواصف. كنتِ دعوةً مستجابة في هيئة أم، ورحمةً من الله تمشي على الأرض.
أمي، ما أقسى الفقد حين يكون المفقود هو الأم، وما أشد الوحشة حين يغيب وجهكِ عن صباحاتي، فلا أجد تلك النظرة التي كانت تمنحني القوة دون كلام. كم مرة تمنيت أن يعود الزمن لحظة واحدة، فقط لأقبّل يديك، وأخبرك كم كنتِ عظيمة، وكم كنتِ النور الذي به اهتديت.
أشتاق إليكِ في التفاصيل الصغيرة، في رائحة القهوة، في ترتيب الأشياء، في دعائكِ الذي كان يسبق خطواتي، في خوفكِ عليّ، في سؤالكِ الذي كنت أراه عاديًا، فإذا به اليوم أمنية لا تُشترى.
رحلتِ يا أمي، لكنكِ ما رحلتِ من قلبي، ما زلتِ تسكنين نبضي، وتحضرين في كل دعاء، وفي كل دمعة، وفي كل لحظة نجاح أتمنى لو كنتِ هنا لتشهديها.
كل فرحٍ يمر بي ناقص، لأن عينيكِ ليستا فيه، وكل حزنٍ يكبر لأن كتفكِ لم يعد قريبًا. علّمتِني أن الصبر مفتاح النجاة، وأن الرضا باب السكينة، لكنني بعدكِ أدركت أن الصبر نفسه يحتاج إلى صبر. أحاول أن أتماسك، أن أمضي كما كنتِ تريدين، لكن قلبي كلما تعب نادى عليكِ، كأنكِ ما زلتِ أقرب إليّ من نفسي.
أمي..
إن كان الغياب قدرًا لا يُرد، فإن الدعاء لكِ عهدٌ لا ينقطع. أسأل الله أن يجعل قبركِ روضةً من رياض الجنة، وأن يملأ وحدتكِ نورًا ورحمة، وأن يجمعني بكِ في مستقر رحمته، حيث لا فراق ولا ألم ولا دموع.
ختامًا ياأمي..
لقد ذكرتكِ والرماح نواهل، وذكرتُ معكِ عمري كله، طفولتي، ضعفي، أحلامي، وكل الطرق التي كنتِ فيها سندًا لي. وسيبقى اسمكِ في قلبي دعاءً، وذكراكِ حياةً، وحبكِ وطنًا لا يغادرني ما حييت.
للتواصل : [email protected]



