كتاب الرأي

الباحة… كما تسكن قلبي

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب سعودي:

أكتب هذه الكلمات من الباحة…
من المدينة التي كلما عدت إليها، شعرت أن شيئاً في داخلي يعود معها.
لا أعرف كيف تشرح الأماكن علاقتها بأصحابها، لكنني أعرف أن بعض المدن لا نستطيع أن نصفها بالمسافات، لأنها تسكن في مكان أعمق من الخرائط.
فهنا…
لم تبدأ ذكرياتي فحسب، بل بدأت حكاية والديّ، وقبلهم حكاية جدي، وقبلهم رجال رحلوا عن الدنيا، رحمهم الله، لكنهم تركوا في هذه الأرض شيئاً من أصواتهم، وشيئًاً من أثرهم، وشيئاً من محبتهم التي ما زالت تعيش بيننا.
وحين أرى والديّ وهما بخير، وأجلس إلى جوار جدتي، أشعر أن الحياة، مهما ازدحمت، ما زالت تعرف كيف تُهدينا أسباب الطمأنينة.
فبعض النعم لا تأتي في صورة أشياء عظيمة…
بل تأتي في هيئة وجهٍ مألوف، وصوتٍ نحبه، ودعوة صادقة تخرج من قلب أم، أو ابتسامة هادئة من أب، أو حديث بسيط مع جدة، لا تدرك قيمته إلا حين يكبر بك العمر.
وحين أسير في طرقات الباحة، لا أرى الجبال وحدها، ولا الضباب الذي يعانق القمم، ولا الغابات التي يطول النظر إليها دون ملل.
أرى أكثر من ذلك.
أرى أعماراً كاملة مرت من هنا.
أرى طفولةً ما زالت تلوح من بعيد.
وأرى رجالاً كانوا يسيرون في هذه الأرض قبلنا، ثم رحلوا، وبقيت ذكراهم الطيبة تسير معنا.
ولعل أجمل ما في الانتماء، أنه لا يحتاج إلى تفسير.
فلا أحد يسأل الشجرة لماذا تحب تربتها.
ولا أحد يسأل القلب لماذا يطمئن حين يعود إلى أهله.
ولهذا، كلما ابتعدنا، أدركنا أن بعض الأماكن لا نغادرها حقاً…
بل تحملها أرواحنا معنا أينما ذهبنا.
ويتحدث الناس عن جمال الباحة، فيذكرون أجواءها المعتدلة، وضبابها، وجبالها، ومشاهدها التي تأسر العيون.
أما أنا…
فأعرف جمالاً آخر.
جمالاً لا تلتقطه الصور.
جمال أن ترى والديك بخير.
وأن تجد جدتك ما زالت تروي الحكايات نفسها، وكأن الزمن احترم حضورها.
وأن تترحم على أجداد رحلوا، لكنك تشعر أنهم ما زالوا جزءاً من المكان، وجزءاً منك.
ولهذا…
لم تكن الباحة بالنسبة لي يوماً مجرد مدينة.
كانت ذاكرةً لا تشيخ.
وحضناً كلما ضاقت الحياة، اتسع.
وبيتاً لا أشعر فيه أنني زائر…
بل أشعر، للمرة الأولى، أنني عدت إلى شيءٍ يشبهني.
فبعض الأوطان لا نسكنها…
بل تسكننا، وتبقى في القلب، كما تبقى الدعوات الطيبة، والأسماء التي أحببناها، والأشياء التي لا يعوضها شيء.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى