فلاح تهامة.. حين يورق بوح الجذور أملاً

✍️حسن المقصودي -كاتب سعودي:
في غمرة الشجن والوفاء للجذور، تلقيت بوحاً غالياً فاح من أعماق ابن الأخت، فلاح تهامة (يحيى أبو عيه الألمعي). لم تكن رسالة لي مجرد كلمات عابرة، بل كان سيلاً وجدانياً انسكب على الورق بهذه الغزارة الفائقة، ليتحول من فضفضة ثنائية إلى ملحمة أدبية خالدة أحببت أن أشاركها القراء في هذا المقال، حيث باح لي قائلاً:
كنت أرقبها وهي تشارف على لفظ رمقها الأخير بين يدي؛ تتدثر بوجه شاحب، غائر الملامح، ومتهالك البنية. كانت تشخص بنظرات يكسوها أسى كاحل، ويعتصرها بؤس شديد. لم يكن حديثها حروفاً، بل كان نبضاً قرأته في غيبوبة عينين تتأرجحان بين إغفاءة الموت وصحوة الروح.
وفي ذروة ذهولي مما انطوت عليه سطور ذلك الوجع، وبقلب حان، مثقل بالتأمل والشجن، انهمرت دموعي سخية، لتستقر في حنجرتها بصبابة مرة المذاق. رأيتها، ويا لعجب المشهد، تتجرع تلك القطرات وتستطعم وفائي الكامن فيها، فإذا بنبض الحياة يدب فيها من جديد، وتصحو على رجع دموعي.
بدأت تتمتم بحديث خفي لامس شغاف مسامعي، كلمات حينما أعدت ترتيبها بتمعن وإمعان، وجدت عنوانها حسرة جارفة، وغصة كبرى. بنصف عين خافتة، وتحت وطأة تعب شديد، حدقت في ملامحي، واستجمعت بقايا صوتها لتسألني: أأنت من سلالة أولئك؟ فأجبتها، والحذر يقود خطاي والاعتزاز يملأ صدري: نعم.. أنا سليلهم، وحفيد أولئك العظماء. في تلك اللحظة المهيبة، استفاقت كلياً، وبدأت تجاعيد وجهها العتيق تسيل بالأمل والبشر، حتى أشرقت أساريرها؛ وطفقت أرى حكايات وملاحم روتها لي بحنين جارف مفرط. داهمنا شفق الليل ونحن ما بين سارد مفوه، ومنصت خاشع لتراتيل الذاكرة.
هنا، لم أملك إلا أن أرفع عقيرتي، وقلتها بصوت جهور يشق سكون المكان: نحن هنا.. لم نغترب ولم نرحل، وستكونين بين أحضان أحفادك في مأمن وخير، فلا تبتئسي ولا تحزني.
لمست كلماتي روحها، فربتت على كتفي، وشدت عليه، وهزتني بقوة مباغتة رغم ما يسكن جسدها من وهن وسقم، وقالت بيقين صلب: الآن حشرج الموت في حنجرتي.. والآن أدركت أني سأستفيق. فابتسمت لها قائلاً: قادمك أبهى وأجمل، وستعودين صبية عذراء، لن ينال من بهائك هرم، ولن تطالك شيخوخة الزمن.
توارت شمس عشيتنا، وغابت خلف حجب النور الساطع، بينما كانت يدها النحيلة تلوح من بعيد بسعادة بالغة وغامرة، وينادي صوتها المنبعث من عمق الخلود: أنا بخير.. وسأستفيق.. سأستفيق.
هكذا باح لي ابن أختي، فلاح تهامة يحيى أبو عيه الألمعي، في نص يحمل هذه الغزارة الشجية.
أبعاد البوح ودلالة الانبعاث:
يتجلى في هذا البوح الذي خصني به فلاح تهامة مشهد سريالي فريد؛ حيث صور الهوية والموروث في صورة امرأة متهالكة شاحبة تصارع الموت. لكن الوفاء التهامي يأبى الانكسار، فتتحول دموع الابن البار إلى ترياق يعيد النبض في عروق الأصالة.
إن الانتقال من نبرة الأسى إلى الصوت الجهور الواثق، وبشارتها بالصبا الدائم، يثبت أن أصالة رجال ألمع وتراث تهامة سيبقى حياً، ما دام يحرسه أحفاد أوفياء كفلاح تهامة. شرف لي أن أكون ناقلاً لهذا البوح الجميل، وهنيئاً للساحة الثقافية بقلم يزرع الكلمة في طين الأرض، فتنبت في القلوب إعجاباً ودهشة.
والسلام ؛؛؛
للتواصل : [email protected]



