كتاب الرأي

من اليُتم إلى رئاسة القسم.. مسيرة أكاديمية تُجسد معنى الكفاح والتميز,

✍️ أ. د. محمد شايع الشايع- إكاديمي وكاتب بجامعة الملك سعود :

تُقاس قصص النجاح الحقيقية بما يتجاوز أصحابها من تحديات قبل أن تُقاس بما يصلون إليه من مناصب ومكتسبات. فخلف كل إنجاز كبير رحلة طويلة من الصبر والعمل والإيمان، وخلف كل قمة حكاية تستحق أن تُروى للأجيال.

ومن النماذج الملهمة التي تجسد هذا المعنى، قصة الدكتور يحيى، الذي صدر قرار تكليفه رئيسًا للقسم الذي بدأ فيه مسيرته المهنية قبل سنوات موظفًا على بندٍ وظيفي، في رحلة استثنائية تختصر معاني الكفاح والإصرار وتحويل التحديات إلى فرص للنجاح.

بدأت هذه الرحلة من ظروف حياتية صعبة، حيث فقد والده في سن مبكرة، ليواجه مسؤوليات الحياة في وقت كان أقرانه يعيشون تفاصيل الطفولة والشباب. ولم تكن تلك الظروف عائقًا أمام طموحه، بل تحولت إلى دافعٍ للعمل والاجتهاد. تنقل بين عدد من الأعمال المختلفة حاملًا شهادة الثانوية العامة، ساعيًا إلى بناء مستقبله بثقة وإيمان بأن العمل الجاد هو الطريق إلى تحقيق الأحلام.

ومع التحاقه بإحدى الجامعات السعودية الكبرى، بدأت مرحلة جديدة من حياته المهنية والعلمية، حيث التحق بوظيفة متواضعة، إلا أن طموحه كان أكبر من حدود الواقع. وجد الدعم والتشجيع، فتمسك بطريق العلم وواصل دراسته الجامعية بإصرار لافت.

ولم تتوقف رحلته عند حدود التأهيل المحلي، بل واصل مسيرته العلمية مبتعثًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث التحق بــIowa State University، إحدى الجامعات العريقة في مجال العلوم الزراعية والبيئية، ونال درجتي الماجستير والدكتوراه في تخصصه. وقد أسهمت هذه التجربة الأكاديمية الرفيعة في صقل خبراته البحثية، وإكسابه معرفة علمية متقدمة انعكست على مسيرته المهنية لاحقًا.

وقبل تخرجه تم تصحيح وضعه الوظيفي، ثم تخرج بتقدير متميز أهله للتعيين معيدًا في الجامعة، لتبدأ مرحلة جديدة من العطاء العلمي. وبعد ذلك أُتيحت له فرصة الابتعاث لاستكمال دراساته العليا، فعاد محملًا بالعلم والخبرة، ليسهم في خدمة جامعته وطلابه ومجتمعه العلمي.

وخلال سنوات عمله الأكاديمي، عُرف بالتفاني والجدية والتواضع، فكان نموذجًا للأكاديمي الذي يجمع بين العلم والعمل والقيم الإنسانية. ومع تراكم الإنجازات، جاء تكليفه رئيسًا للقسم ذاته الذي بدأ فيه رحلته المهنية، في مشهد يحمل دلالات عميقة عن قيمة الاجتهاد واستمرارية العطاء.

إن هذه القصة تؤكد أن البدايات المتواضعة لا تحدد النهايات، وأن النجاح ثمرة الإصرار والصبر وحسن التوكل على الله، كما تعكس أهمية البيئة الداعمة في صناعة القيادات الأكاديمية المؤثرة.

ورغم ما حققه الدكتور يحيى من إنجازات علمية وإدارية، فإن ما يميز هذه المسيرة هو الوفاء للقيم التي نشأ عليها، والبر بوالديه، واستحضار أثر الأسرة في صناعة هذا النجاح، وفي مقدمتهم والدته التي كانت دعواتها وصبرها سندًا في كل المراحل.

إن قصة الدكتور يحيى ليست مجرد خبر تكليف أكاديمي، بل رسالة أمل لكل من يواجه بداية صعبة، بأن الإرادة الصادقة قادرة على تحويل الطريق الشاق إلى إنجاز يليق بصاحبه.

وفي ختام هذه المسيرة، يُسجل هذا التكليف المستحق بوصفه محطة جديدة في رحلة عطاء مستمرة، جمعت بين العلم والعمل والقيادة، لتبقى شاهدًا على أن من يبدأ من الصفر بإيمانٍ وصبر، يمكنه أن يصل إلى القمة بثبات وسعادة

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى