كتاب الرأي

من المحميات إلى الوجهات.. فصل جديد في استثمار الكنوز الطبيعية للمملكة

✍️أ.د. محمد شايع الشايع – أكاديمي وكاتب بجامعة الملك سعود :

في كل عام يأتي اليوم العالمي للبيئة ليذكّر العالم بأن البيئة لم تعد ملفًا ثانويًا، بل أصبحت أحد أهم مسارات التنمية المستدامة وصناعة المستقبل. غير أن دلالته في المملكة العربية السعودية باتت تتجاوز حدود التوعية والاحتفاء، لتدخل مرحلة أعمق قوامها بناء نموذج تنموي متكامل يجعل من البيئة رافدًا اقتصاديًا ومعرفيًا وسياحيًا. وفي قلب هذا التحول يبرز المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية بوصفه أحد أهم المحركات الوطنية التي أعادت صياغة مفهوم العمل البيئي من الحماية التقليدية إلى الحوكمة والتنمية والاستثمار.

لقد شهد القطاع البيئي في المملكة خلال السنوات الماضية تحولًا نوعيًا لافتًا، قوامه بناء منظومة تنظيمية متكاملة، وتعزيز الحوكمة البيئية، وتطوير الدراسات العلمية البحرية والبرية، والاستعانة بالخبرات الوطنية والدولية، إلى جانب مراجعة الأنظمة واللوائح بما يواكب أفضل الممارسات العالمية. كما تطورت إدارة المحميات الطبيعية لتدار وفق أسس علمية دقيقة، تستهدف إعادة التوازن البيئي ومعالجة الاختلالات، بما في ذلك جهود ضبط الكائنات الغازية وحماية النظم البيئية الهشة. وهكذا لم يعد مفهوم الحياة الفطرية مقتصرًا على الحماية، بل أصبح جزءًا من مشروع وطني أوسع يستهدف تحويل الموارد الطبيعية إلى قيمة تنموية مستدامة.

وفي اللقاء الإعلامي الذي عقده الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، الدكتور محمد علي قربان، برفقة فريق العمل، برزت ملامح مرحلة جديدة تعكس جاهزية المركز للانتقال إلى مستويات متقدمة من العمل التنموي البيئي، واستثمار ما تملكه المملكة من تنوع طبيعي فريد في بناء فرص اقتصادية وسياحية ومعرفية مستدامة. وقد عكس اللقاء حجم الجهود المؤسسية المتراكمة التي أُنجزت خلال السنوات الماضية، والتي أسست لبنية تنظيمية وعلمية وتشغيلية متماسكة قادرة على إدارة هذا التحول النوعي بكفاءة واحترافية.

ويستحق هذا المسار الإشادة والتقدير لكافة القيادات التنفيذية والكوادر العاملة في المركز، وفي مقدمتهم نائب الرئيس الأستاذ أحمد البوق، ومدير إدارة الخدمات الأستاذ عبدالمحسن الشنيف، إلى جانب فرق العمل في مختلف الإدارات، من المقر الرئيس إلى مراكز الدراسات والإكثار، وفي مقدمتها مركز الملك خالد بالثمامة ومركز الأمير سعود الفيصل بالطائف، الذين جسدوا نموذجًا وطنيًا متكاملًا يجمع بين القيادة والتخطيط والعمل الميداني والبحثي في ترجمة مستهدفات رؤية المملكة 2030 إلى واقع ملموس.

ومن أبرز ما طُرح خلال اللقاء إعلان المركز عن “وجهات الحياة الفطرية”، وهي مبادرة وطنية نوعية تمثل نقطة تحول في مفهوم السياحة البيئية في المملكة، إذ تهدف إلى تقديم تجارب مستدامة تُعرّف الزوار بثراء التنوع الأحيائي السعودي، وتمكّنهم من اكتشاف الكائنات الفطرية الأصيلة في موائلها الطبيعية، ضمن نموذج متوازن يجمع بين حماية البيئة وتقديم تجربة سياحية نوعية ذات قيمة معرفية وجمالية.

ولا تقف أهمية هذه الوجهات عند بعدها السياحي فحسب، بل تمتد لتشكل منصة حيوية لدعم المجتمعات المحلية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار النوعي، واستقطاب الباحثين والدارسين والمهتمين بالعلوم البيئية. كما تمثل دعوة واضحة لقطاع المال والأعمال لإعادة النظر في البيئة بوصفها أصلًا تنمويًا واعدًا، يمكن أن يتحول إلى فرص وظيفية ومشاريع نوعية تشمل السياحة البيئية، والتدريب، والأنشطة العلمية، بما ينسجم مع المعايير العالمية ويعزز استدامة الموارد الطبيعية.

إن هذا التحول يؤكد أن البيئة لم تعد تُرى بوصفها موردًا يحتاج إلى الحماية فقط، بل أصبحت أصلًا تنمويًا واستثماريًا ومعرفيًا يسهم في تنويع الاقتصاد الوطني، وخلق فرص العمل، وتعزيز جودة الحياة، وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030. ويأتي اليوم العالمي للبيئة مناسبة لإبراز ما تحقق من بناء مؤسسي عميق شمل تطوير الدراسات البيئية، وتحديث الأنظمة، واستقطاب الكفاءات، وتعزيز الحضور العلمي للمملكة في المحافل الدولية، بما جعلها لاعبًا فاعلًا في المشهد البيئي العالمي.

وفي اليوم العالمي للبيئة، تبدو المملكة وهي تمضي بثقة نحو نموذج متوازن يجمع بين صون الطبيعة واستثمارها، وبين حماية الحياة الفطرية وتعظيم أثرها الاقتصادي والاجتماعي. ويبرز المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية بوصفه أحد أبرز النماذج الوطنية التي نجحت في تحويل الثروة الطبيعية إلى فرصة تنموية، وجعلت من البيئة شريكًا أصيلًا في التنمية المستدامة.

ومن المحميات إلى الوجهات، تكتب المملكة اليوم فصلًا جديدًا في استثمار كنوزها الطبيعية، مستندة إلى العلم والحوكمة والرؤية الطموحة، لتؤكد أن الطبيعة ليست مجرد إرث يُصان، بل مورد يُدار، وفرصة تُستثمر، ومستقبل يُبنى للأجيال القادمة برؤية أكثر وعيًا واستدامة .

 للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى