من «اليوم الأسود» إلى «ضوء العبور».. محمد بن سلمان يعيد فتح الشريان الخليجي للصادرات اللبنانية

✍️أ . د . محمد شايع الشايع- إكاديمي وكاتب بجامعة الملك سعود :
في نظرة اخوية انسانية قرار سعودي يعيد الأمل للمزارعين اللبنانيين ويفتح بوابة الخليج مجددًا أمام المنتج اللبناني بعد سنوات من التراجع
لم يكن قرار المملكة العربية السعودية إعادة فتح سوقها أمام الصادرات اللبنانية مجرد إجراء تجاري عابر، بل خطوة استراتيجية أعادت تشغيل شريان اقتصادي طالما اعتمدت عليه الزراعة اللبنانية للوصول إلى أسواق الخليج العربي. وبينما وصف المزارعون اللبنانيون قرار وقف الصادرات عام 2021 بـ«اليوم الأسود»، يأتي القرار الجديد الذي قاده صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، ليمنح المنتج اللبناني «ضوء العبور» نحو أسواق الخليج من جديد، حاملاً معه رسائل اقتصادية وتنموية وإنسانية تتجاوز حدود التجارة إلى آفاق أوسع من التعاون والاستقرار والنمو.
وقد عبّر وزير الزراعة اللبناني الدكتور نزار هاني عن تقديره لهذه الخطوة، موجّهًا الشكر إلى سمو ولي العهد والحكومة السعودية، مؤكدًا أن القرار يمثل دفعة قوية للقطاع الزراعي اللبناني ويعكس عمق العلاقات الأخوية بين البلدين.
وتكمن أهمية القرار في أن المملكة لا تمثل سوقًا استهلاكية كبيرة فحسب، بل تعد محورًا اقتصاديًا ولوجستيًا رئيسيًا في المنطقة. فقبل توقف الصادرات إلى السعودية عام 2021، كانت لبنان تصدر نحو 200 ألف طن من المنتجات الزراعية إلى دول الخليج سنويًا، كان نصيب السوق السعودية منها نحو 60 ألف طن، إضافة إلى كون الأراضي السعودية الممر الرئيس لعبور الشاحنات اللبنانية إلى بقية الأسواق الخليجية.
ولذلك لم يكن مستغربًا أن يصف كثير من المزارعين اللبنانيين قرار وقف الصادرات في عام 2021 بـ«اليوم الأسود»، إذ لم تخسر المنتجات اللبنانية سوقًا مهمة فقط، بل فقدت معها شريانًا اقتصاديًا ومسارًا تجاريًا حيويًا. وانعكس ذلك مباشرة على أرقام التصدير، حيث تراجعت صادرات لبنان الزراعية إلى دول الخليج مجتمعة إلى نحو 77 ألف طن فقط، وفق ما أعلنه وزير الزراعة اللبناني.
هذه الأرقام تكشف بوضوح حجم الثقل الاقتصادي للمملكة العربية السعودية ومكانتها المحورية في منظومة التجارة العربية. فالسعودية ليست أكبر اقتصاد عربي فحسب، بل تمثل مركزًا للتجارة والعبور وسوقًا قادرة على تحريك قطاعات إنتاجية كاملة داخل العديد من الدول الشقيقة. ومن هنا فإن قرار إعادة فتح السوق السعودية أمام المنتجات اللبنانية يتجاوز المكاسب التجارية المباشرة، فهو يمنح المزارعين والمنتجين فرصة لاستعادة أسواقهم التقليدية، ويعيد تنشيط سلاسل الإمداد والنقل والتعبئة والتغليف، ويوفر فرص عمل جديدة، ويعزز تدفق العملة الصعبة إلى الاقتصاد اللبناني.
كما يحمل القرار رسالة سياسية وتنموية مهمة مفادها أن المملكة العربية السعودية تواصل ممارسة دورها القيادي في المنطقة من خلال دعم التنمية والاستقرار وفتح آفاق التعاون الاقتصادي. فالمملكة لا تقدم دعمًا مؤقتًا بقدر ما تهيئ فرصًا مستدامة للنمو والإنتاج والعمل، وهي الرسالة التي تنسجم مع رؤية تنموية ترى أن ازدهار المنطقة يتحقق بالشراكة الاقتصادية والتكامل بين الأشقاء.
غير أن الأثر الأعمق للقرار لا يقف عند حدود الأرقام والمؤشرات الاقتصادية. فبالنسبة لوزير الزراعة اللبناني وكثير من المزارعين اللبنانيين، تمثل هذه الخطوة بُعدًا إنسانيًا وأخويًا راقيًا يعيد الأمل إلى آلاف الأسر التي ارتبطت معيشتها بالزراعة والإنتاج والتصدير. فخلف كل شاحنة تعبر الحدود مزارع ينتظر موسمًا أفضل، وعائلة تبحث عن الاستقرار، وشاب يتطلع إلى فرصة عمل تحفظ له كرامته وتبقيه في أرضه.
لقد عانى لبنان خلال السنوات الماضية من أزمات متلاحقة أضعفت الاقتصاد وأرهقت مؤسسات الدولة وأثقلت كاهل المواطنين، وتضررت قطاعات الإنتاج بفعل تراكم التحديات وسنوات من سوء الإدارة والفساد والصراعات التي استنزفت مقدرات البلاد. ولذلك ينظر كثير من اللبنانيين إلى القرار السعودي باعتباره أكثر من مجرد فتح لسوق تجارية؛ بل نافذة أمل تفتح أمامهم فرصة جديدة للعمل والإنتاج واستعادة الثقة بالمستقبل.
وفي هذا المشهد، تتجلى قيمة الأخوة العربية حين تتحول من عبارات دبلوماسية إلى قرارات عملية تنعكس على حياة الناس مباشرة. فحين تفتح المملكة أسواقها فإنها لا تستقبل منتجات زراعية فحسب، بل تمنح آلاف الأسر فرصة للعودة إلى دورة الحياة والإنتاج، وتؤكد أن التنمية الحقيقية تبدأ من تمكين الإنسان ودعم قدرته على العمل والبناء.
لقد أثبتت هذه الخطوة أن الأسواق ليست مجرد منافذ للبيع والشراء، بل أدوات للتنمية والاستقرار وبناء الثقة بين الدول. وبينما ينظر اللبنانيون إلى القرار باعتباره عودة لشريان اقتصادي طال انتظاره، فإنه في الوقت ذاته يؤكد حقيقة راسخة مفادها أن المملكة العربية السعودية، بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أصبحت قوة اقتصادية مؤثرة لا يقتصر أثر قراراتها على حدودها الوطنية، بل يمتد ليصنع فارقًا حقيقيًا في حياة الشعوب واقتصادات المنطقة بأسرها.
ومن «اليوم الأسود» الذي تحدث عنه المزارعون اللبنانيون قبل سنوات، إلى «ضوء العبور» الذي أعادته المملكة اليوم، تتجلى قوة الاقتصاد السعودي حين يتحول إلى جسر للتنمية، وتتحول قراراته إلى فرص للنمو، وتصبح الأخوة العربية مشروعًا عمليًا ينعكس خيره على الإنسان قبل الاقتصاد، وعلى المستقبل قبل الأرقام.
للتواصل : [email protected]



