كتاب الرأي

سر العيد الحقيقي

       ✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني :

لم يكن فجر يوم العيد كأي فجر آخر بالنسبة لعلي ، الصبي ذو العشر سنوات.
استيقظ قبل منبه الساعة ، بل وقبل أن تبدأ تكبيرات العيد بالصعود من مئذنة المسجد المجاور ، طار من سريره والبهجة تقفز من عينيه ، متوجهاً نحو ملابسه الجديدة التي رتبها بعناية فائقة على الكرسي منذ ليلة أمس.
​ارتدى علي ثوبه الأبيض الناصع ، وتطيب بقطرات من العطر ، ثم توجه إلى غرفة والدته ، لم يرى علي والده قط ، فقد توفي وهو ما زال طفلاً رضيعًا ، لكن والدته كانت له الأب والأم والوطن.
​ارتمى علي في أحضان والدته مقبلاً يدها ورأسها وهو يردد : كل عام وأنتي جنتي يا أمي. بكت عيناها فرحا وهي تضمه وتدعو له ببركة العمر.
​التفت علي إلى شقيقيه الصغيرين من أمه ( توفيق وجاسم) ، اللذين يصغرانه في العمر ، وبفخر الأخ الأكبر ، ايقضهما من نومهما وساعدهما في ارتداء ملابسهما الجديدة وتطييبهما ، ثم أعطتهم امهم عيديتهم ، ثم توجه مع عمه إلى المسجد لأداء صلاة العيد.

​عند الساعة التاسعة صباحاً ، انطلقت العائلة الصغيرة إلى بيت الجد والجدة (أهل والدته) ، المحطة الرئيسية لعيدهم.
ما إن فُتح الباب حتى تعالت الأصوات والضحكات ، حيث كان الأعمام والأخوال وأبناؤهم بانتظارهم محيطين بعلي وإخوته بالكثير من الحب.
​تحول حوش البيت الواسع إلى ساحة مهرجان مصغرة.
بصفته في العاشرة من عمره ، وشعوره بالمسؤولية كأخ أكبر لأخوته الصغار ، أراد علي أن يصنع بصمة خاصة هذا العام. اقترح على إخوته الصغار وأبناء أخواله أن يجمعوا جزءا من عيدياتهم لشراء بالونات وعلب حلوى وتوزيعها على أطفال الحي قائلاً بكل فخر : أمي علمتني أن أبي كان كريماً ويحب إسعاد الناس ، واليوم سنفعل مثله.
بالفعل ، خرج علي وهو يقود موكب الفرح الصغير ، ووزعوا الهدايا على أطفال الحي ، كانت ضحكات الأطفال وفخر والدته به وهي تراقبه من نافذة المنزل بمثابة أجمل عيدية حصل عليها في حياته.

وفي نهاية يوم لا يُنسى
مع غروب الشمس ، واقتراب موعد الشواء العائلي ، جلس علي على العتبة الخارجية لبيت جده ، واضعاً يديه حول كتفي شقيقيه الصغيرين المتعبين من اللعب.
نظر علي إلى السماء التي بدأت تتزين ببعض الألعاب النارية ، ثم نظر إلى الداخل حيث تجلس أمه تبتسم له بعينين مليئتين بالفخر والرضا ، رغم غياب والده ، إلا أن علي شعر بأن روحه وطيبته تعيشان في هذا البيت ، وأدرك السر الحقيقي أن العيد ليس في وجود كل الأشخاص ، بل في كمية الحب والترابط التي تجمعنا بمن حولنا.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى