كتاب الرأي

لهب من داحس… العرب بين الفرس والروم

قراءة تشكيلية في لوحة الفنان العراقي / د. خليف محمود المحل

✍🏼 د. عصام عسيري:

1. مضمار الغدر:
في صباحٍ مشمس من صحراء العرب، امتدت الرمال أمام القبيلتين وكأنها بساط من تحدٍّ.
وقف قيس بن زهير ممسكًا بعنان فرسه “داحس”، وقد نَفَرتْ من عينيه شرارات الكِبر والكرامة.
في الجهة الأخرى، أطلّ حذيفة بن بدر ممتطيًا فرسه “الغبراء”، وبيده رمحٌ لا يُخطئ، وعينان لا تعرفان حنوًّا.

رفع قيس صوته للجمهور المحتشد:
“أيها العرب! اليوم يوم فخر لا هوادة فيه، من سبق، غَلَب!”
وأجاب حذيفة مبتسمًا بمكر:
“ومن خسر، فليعرف موضعه بين الرجال!”

أُطلِق السباق، وانطلقت داحس كأنها شعلة من رياح الجنوب، تسبق الغبراء أميالًا… حتى اختفت عن الأنظار.
ولكن خلف تلال صغيرة، كان رجال من ذبيان بانتظارها، فخخوا الطريق بالخيانة.

2. الشرارة: 

ثار الغبار متصاعدًا، وجاءت الغبراء أولًا.
تهلل الذبيانيون، أما قيس فحدق في الأرض صامتًا.
ثم نادى بصوتٍ فيه حزن وغضب:
“واللهِ إن داحس لم تَخذلني يومًا، ولكنها غُدِرت!
فهل كرامتُنا تُهدَر بسُمٍّ من خديعة؟”

أبى حذيفة الاعتراف، بل زاد في التحدي، وقال بشعرٍ هازئ:
“سبقَت الغبراءُ، وما للسبقِ ملامُ
وإن غُدِرتم، فالدهرُ لا يَرحمُ النيامُ”

فصرخ قيس كمن سُقي نارًا:
“واللهِ لا يُمحى هذا العار إلا بالدم،
ولن يُروى ظمأ الفرس إلا بنحر الغادرين!”
وهنا… اشتعلت حرب داحس والغبراء.

3. السيف والشعر: 

مرت الأعوام كالعقود.
صار الرمل أحمرا من كثرة ما شرب من الدم.
ظهر في ساحة الحرب عنترة بن شداد، ابن عبس الشجاع، الذي رفع سيفه وقلبه:
“أَنا في الحَربِ العَوانِ غَيرُ مَجهولِ المَكانِ
أَينَما نادى المُنادي في دُجى النَقعِ يَراني”

دخل المعركة لا لأجل فرس، بل لأجل الشرف المهدور، لأجل عبلة، ولأجل أن يُثبت أنه عبدٌ لا يُذل.
في إحدى المعارك، وقف عنترة أمام فارس من ذبيان وقال:
“سيفي وأحلامي وعدل قضيتي
أقوى من الغدرِ ومن كيدِ الزمانِ”
وطعنه طعنة، كأنها قصيدة من نار.

4. النهاية: 

بعد أربعين سنةً من الدم، استيقظت القبائل من سكرتها.
لم يبق بيت إلا وفقد حبيبًا، ولا أمّ إلا وثكلت ولدًا.
جاء الحكماء، ووقف أحدهم على تلة وقال:
“أيها العرب! أهذه كرامتكم؟
تراق لأجل فرس؟
أما آن للدم أن يتوقف؟”

صمتٌ، ثم دموع.
تصافح قيس وحذيفة، وقد بيّض الشيب لحاهما، وقال قيس:
“الفرس ماتت، والرجال شاخت، فهل بقي لنا غير الندم؟”

العبرة:

في تاريخ العرب، لا زال صهيل داحس يُسمع بين لهيب الرمال، كأنه يهمس:
“لا تبدأوا حربًا من أجل سباق،
فقد تنتهون بلا قبيلة، ولا وطن، ولا حتى اسم…”.

غذّت الفرس والروم هذا الصراع عقودا؛ ليخلّص العرب بأحقادهم على بعض، فلم يكن فيهم من والى بلده ومجتمعه وأعمَلَ عقله لصالح بقائه.

ا

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى