كتاب الرأي

الرياضة جغرافيا الشغف واقتصاد الهوية كيف يشارك أبها برسم الخارطة التنموية لعسير؟

✍️ أ. د. محمد شايع الشايع – كاتب سعودي:

لم تعد كرة القدم في الاقتصاد الحديث مجرد تسعين دقيقة تُستهلك على المستطيل الأخضر، بل تحولت إلى واحدة من أعقد أدوات صناعة الصورة الذهنية للمناطق، ومحركاً ناعماً لرؤوس الأموال، ومسرحاً حياً تتقاطع فيه التنمية المحلية مع الهوية، والثقافة، والاستثمار. ومن هذا المنطلق الفلسفي، فإن صعود نادي أبها إلى دوري روشن للمحترفين لا يمكن قراءته بوصفه حدثاً رياضياً عابراً، وإنجازاً للمستديرة فحسب، بل هو تحول تنموي استراتيجي يعكس نضجاً فكرياً في منطقة بدأت تدرك مبكراً أن الرياضة قادرة على إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي والاجتماعي والسياحي بأدوات أكثر مرونة وتأثيراً من كثير من المشاريع التقليدية.

فعندما تصل أندية النخبة والنجوم العالميون إلى منطقة ما، فإنهم لا ينقلون معهم الحافلات والجماهير فقط، بل ينقلون دورة اقتصادية متكاملة الأركان؛ تبدأ من منصات الإعلام وحقوق الرعاية، وتمتد أفقياً لتنعش قطاعات الفنادق، والمطاعم، والنقل، والأسواق، وتنتهي بصياغة الهوية التسويقية للمكان. ومن هنا، تبدو “عسير” اليوم أمام فرصة تاريخية لصناعة نموذج رياضي تنموي ينسجم بالمطلق مع التحولات البنيوية الكبرى التي تعيشها المملكة العربية السعودية في ظل مستهدفات الرؤية الوطنية الطموحة.

ولعل المحرك الأساسي وراء ترسيخ هذه الفلسفة التنموية في المنطقة هو الدور المحوري والقيادي المباشر لإمارة منطقة عسير، بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز آل سعود والذ سميته في مقال سابق ” العاشق المحترف”؛ حيث نجح سموه في إخراج الرياضة من إطارها الترفيهي الضيق، وتحويلها إلى رافعة من روافع التنمية المحلية الشاملة. إن الرؤية التي تقود عسير اليوم لا تنظر إلى النادي باعتباره منشأة رياضية مغلقة، بل منصة لتمثيل المنطقة ثقافياً واقتصادياً، وجسراً رفيعاً يعبر من خلاله اسم عسير إلى المشهدين الوطني والدولي كمقصد سياحي واستثماري واعد.

إن أهم ما يميز تجربة نادي أبها هو أن صعوده لم يكن وليد صدفة عارضة أو اندفاع عاطفي مؤقت، بل جاء نتاج عقلية إدارية حصيفة أدركت أن “الاستدامة الرياضية” لا تُبنى بالشعارات البرّاقة، وإنما بقواعد الحوكمة الصارمة، وتكامل الأدوار، والقدرة على بناء شراكات حقيقية وعميقة بين القطاعين العام والخاص. فالنجاح الرياضي المعاصر يقوم على إدارة اقتصادية واعية تعرف كيف تحوّل النادي إلى أصل استثماري مُنتج يدر الأرباح، بدلاً من أن يكون عبئاً مالياً مؤقتاً يستجدي الدعم.

وفي هذا السياق، يبرز الدور البالغ الأهمية لرجال الأعمال والرعاة كشركاء حقيقيين في مسيرة النهوض؛ إذ لم يعد الاستثمار في القطاع الرياضي ترفاً اجتماعياً أو مجرد دعاية تجارية محدودة الأثر، بل غدا استثماراً حقيقياً في جودة الحياة، والاستقرار المجتمعي، وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي. وفي مقدمة هذه القامات الاستثمارية الوطنية، يبرز اسم الوجيه محمد بن ناصر بن جارالله (مالك مستشفى الحياة)، الذي قدم نموذجاً ملهماً لرجال الأعمال الذين يرون في دعم المنطقة مسؤولية وطنية وتنموية تتجاوز اعتبارات الربحية المباشرة. وهي رؤية إنسانية تلتقي في جوهرها مع فلسفة مهنة الطب ذاتها؛ فكما يُعالج الجسد من أوجاعه وعِلله، فإن التنمية الواعية التي يدعمها المخلصون تُعالج المناطق من معوقاتها التنموية، وتمنحها أسباب النهوض الشامل والاستقرار المستدام.

ومن زاوية التحليل الاقتصادي، فإن وجود نادٍ منافس في دوري روشن داخل منطقة عسير يمثّل مضاعِفاً اقتصادياً يخلق قيمة مضافة متعددة المستويات؛ عبر زيادة التدفقات السياحية، وتنشيط قطاع الضيافة، وتحفيز المشاريع الناشئة والصغيرة، ورفع معدلات الحراك التجاري، فضلاً عن توليد فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لشباب المنطقة. علاوة على ذلك، فإن تدفق الجماهير والتغطيات الإعلامية المصاحبة يمنح عسير نافذة اتصالية ضخمة لإبراز مقوماتها الطبيعية البكر، وثقافتها العريقة، وإنسانها الطموح.

إن الرياضة الحديثة لم تعد تُقاس بعدد الكؤوس في الخزائن، بل بقدرتها على صناعة الأثر التنموي المستدام. ونادي أبها يقف اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية ليكون أكثر من مجرد نادٍ؛ إنه مشروع منطقة بأكملها، وصوت مجتمع، وأداة استراتيجية تعيد تعريف العلاقة بين الرياضة والاقتصاد والثقافة. وحين تتكامل الرؤية الرسمية الطموحة، مع وعي الإدارة وحوكمتها، ودعم رجال الأعمال الأوفياء، وشغف الجمهور العسيري؛ فإن المنطقة لا تصنع فريقاً عابراً في خطوط المنافسة، بل تبني كياناً راسخاً يرتدي حُلة تمثيل عسير بكل ما تحمله الكلمة من دلالة: مكانةً، وهويةً، وتنميةً، ومستقبلاً.

للتواصل:[email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى