كتاب الرأي

شجِّع بعقلك، لا تُهلك نفسك!!

✍️أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي كَاتِبٌ صَحَفِيٌّ، وَمُذِيعٌ تَلْفَزِيُونِي :

فريقك الذي تشجعه اليوم قد ينتصر، وغدًا قد يُهزم، أو العكس. تلك هي طبيعة كرة القدم: متقلبة لا تثبت على حال، يومٌ لك ويومٌ عليك. الفوز والخسارة وجهان لعملة واحدة اسمها اللعبة، و “الدَّهْرُ يَوْمَانِ: يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ” كما قيل.

فلماذا نُفرط في التشجيع حتى نبلغ درجة التهور؟ لماذا نجعل تسعين دقيقة تتحكم في أمزجتنا، وتُفسد علينا أيامنا؟ يخسر الفريق مباراة، فنخسر نحن صحتنا، وراحة بالنا، وأصدقاءنا، فقط لأننا لم نُحسن ضبط أعصابنا. وقد قال رسول الله ﷺ: “ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”. فأين نحن من هذا الميزان النبوي حين نخسر المباراة؟

إنَّ التعصب الرياضي لا يجلب إلا الندامة. بل صار خطرًا مُثبتًا بالأرقام. فقد وجدت دراسة في مجلة New England Journal of Medicine أن خطر الإصابة بجلطة قلبية يتضاعف 2.3 مرة أثناء مشاهدة مباراة مصيرية. وسجلت ألمانيا زيادة في الوفيات القلبية بنسبة 25% بين الرجال خلال كأس العالم 2006 في أيام مباريات منتخبها. بل إن الشرطة البريطانية رصدت ارتفاع بلاغات العنف المنزلي بنسبة 38% عندما يخسر منتخب إنجلترا. فانظر كيف صارت كرة خطرًا على القلب والبيت والعقل، وصدق الله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195].

والتعصب لا يكسر شاشة التلفاز فقط، بل يكسر القلوب والبيوت. فكم من صداقة انقطعت، وكم من بيت تهدم، بسبب كرة لا تقدم ولا تؤخر في رزق أو أجل.

شجِّع، نعم. افرح لفوز فريقك، وتألم لخسارته، فهذا من طبع الإنسان. لكن ليكن تشجيعك بوسطية واتزان، بلا سباب ولا شتم، بلا حقد ولا كراهية. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143]، والوسطية مطلوبة في كل شيء حتى في اللهو المباح.

تأمل معي: المستفيد الأول والأخير هم اللاعبون وأنديتهم. عقودٌ تُقدّر بالملايين، شهرةٌ واسعة، وامتيازات لا تُحصى. فازوا أم خسروا، قبضوا رواتبهم ومكافآتهم وذهبوا إلى بيوتهم آمنين. أما أنت أيها المشجع المتعصب، فينطبق عليك المثل الشعبي: “العروس للعريس، والجري للمتاعيس”. أنت تحرق أعصابك، وترفع ضغطك، وتخاصم أخاك، وهم لا يعلمون عنك شيئًا. وحالك كحال من قال فيهم العرب: “المنسف للضيف والهم للمعزب”، وكما قال أبو العتاهية:

يَروحُ وَيَغدو في طِلابِ سِواهُ
كَدودَةِ قَزٍّ ما جَنَتْهُ تُفارِقُ

فأنت كدودة القز تنسج الحرير لغيرك ثم تموت. هم يجنون الملايين، وأنت تجني الضغط والسكري والعداوات.

كرة القدم وُجدت للمتعة والترفيه، لتجمعنا لا لتفرقنا، لتُهذب أرواحنا لا لتُهلكها. شجِّع فريقك بحب ووفاء، ولكن لا تجعله هاجسًا وغاية القصد، ولا تجعل خسارة مباراة سببًا لتخسر نفسك ومبادئك ومن حولك. قال الحكماء: “العاقل من ملك هواه، والجاهل من ملكه هواه”.

متى نعيش بعقولنا ونتحكم بعواطفنا؟
متى نُدرك أن التشجيع الحقيقي أخلاق واحترام قبل أن يكون صراخًا وانفعالًا؟
متى نؤمن أن الرياضة فروسية قبل أن تكون منافسة؟ وأن “الرياضة تربية للنفوس قبل أن تكون إحرازًا للكؤوس”؟

ضع الكرة في حجمها الطبيعي. هي تسلية ساعة، وليست قضية مصير. وصدق من قال: “خذ من الدنيا ما صفا، ودع ما كدر”.

شجِّع بعقل، تعش مرتاح البال، سليم القلب، محبوبًا بين الناس. فما أجمل أن تكون كبيرًا في فوزك، نبيلًا في خسارتك. ولا تكن كمن قيل فيهم: “الناس في الدنيا كصاعد شجرة: يجني ثمرها غيره، ويسقط هو”.

للتواصل :[email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى