كتاب الرأي

مقبرة اسمها لاحقاً … حين نُؤجل الحب حتى يغترب القلب

✍️ أ.د. محمد شايع الشايع – كاتب سعودي:

ورد في هدي المصطفى عليه الصلاة والسلام قوله:”إذا أحبَّ أحدُكم صاحبَه فليأتِه في منزله فليخبرْه أنه يحبُّه لله “في هذا التوجيه النبوي دعوة صريحة لكسر قيد التأجيل ومبادرة الشعور قبل أن يبرد، فالحب فعلٌ آني وليس مشروعاً مؤجلاً.

إن أكبر أوهامنا ليست في ظننا أننا سنعيش طويلاً، بل في يقيننا الزائف بأن قلوب من نحب ستنتظرنا خلف أبواب التسويف إلى الأبد. نحن لا ندرك أن المشاعر كائناتٌ حيّة، تتنفس الاهتمام وتقتات على اللحظة، وأن كل لاحقاً نقولها في وجه حاجةٍ عاطفية، هي في الحقيقة طعنة صامتة في صدر الودّ. إن المأساة لا تكمن في انعدام الحب، بل في حبٍّ كان عظيماً، لكنه تآكل ببطء على ضفاف الانتظار، حتى جفّ ونحن نظن أننا سنُسقيه غداً.

بين كبيرٍ كابد الحياة فصمد، ومجتهدٍ آمن بما يفعل فاستغرق فيه، تبرز قيمة الإنسان الحقيقية في قدرته على استبقاء وهج المشاعر وصونها. فالأول تحرّكه المروءة، والثاني يقوده اليقين، وكلاهما يدرك أن الحياة مهما بلغت قسوتها لا تستقيم إلا بالعاطفة الصادقة، ولا تزدهر إلا بترميم الخواطر في أوانها. غير أن بين هذا الصفاء ونقائه، تتسلّل غواية الشيطان، فتزرع التردد، وتفتح باب التسويف حتى فيما لا يحتمل التأجيل، ليتحول هذا الإرجاء إلى سوسٍ ينخر في عصب العلاقات وأجمل ما فيها.

إن الحب وجبر الخواطر ليسا ترفاً، بل هما النخاع الشوكي لبنيان الشعور. فالحب ليس وعوداً فضفاضة، بقدر ما هو تمائم وفاء صغيرة تُعلّق على جدران القلب كلما تصدّع، وكلمةٌ تُبذل في حينها قبل أن يتفشى الصمت ويستبدّ الجفاء. وحين يغيب هذا الجبر، لا ينهار الحب بزلزالٍ مباغت، بل يبدأ في التآكل البنيوي الصامت، متكئاً على آفةٍ فتاكة اسمها التسويف، حيث نتوهم أن القلوب ستبقى في قاعة الانتظار، بينما هي في الحقيقة تنزف بصمتٍ خلف الأبواب المؤصدة.

التسويف في العلاقات هو وأدٌ بطيء لكل نبضة حيّة، نؤجل الأحاديث ذات المشاعر المكبوته، والعناق الحميمي، والاعتذار اللطيف، ونُقنع أنفسنا أن الزمن كفيلٌ برتق ما أفسدته المسافات. لكن الحقيقة المرة أن الوقت، حين يُترك بلا مواجهة، لا يُصلح بقدر ما يُباعد، ولا يُداوي بقدر ما يُعمّق الندوب الغائرة، فالجرح الذي لا يُضمد في حينه، يتحول إلى غربةٍ داخلية لا تمحوها كل اعتذارات الدنيا المتأخرة. ولا ينطفئ الحب بضجيج الخصام، بل يُترك للاضمحلال حين نقول: لاحقاً… ثم يسرقنا الغياب. هناك، في تلك الهوة الرمادية بين الرغبة في البقاء والخوف من العتاب، تبدأ المشاعر في الذبول الجاف، وتتحول الكلمات المؤجلة إلى حواجز خرسانية تجعل العودة مستحيلة.

كم من علاقة كان يمكن انتشالها من القاع بكلمةٍ في وقتها، أو إيماءةٍ حانية تعيد ترتيب الفوضى؟ لكننا نؤجل، وكأننا نملك صكوك الخلود، بينما نحن نمارس الخذلان الممنهج، فالقلب الذي لا يُجبر في حينه، لا يصرخ، بل يتعلم الاستغناء بالتدريج، ويُعيد ترتيب أولوياته بعيداً عمّن كان يوماً بوصلة الشعور، حتى يجد نفسه قد تعافى تماماً ممن كان يظن أنه لا يعيش بدونه.

في نهاية المطاف، لا يؤلمنا الفقد بحد ذاته، بقدر ما يسحقنا الوعي المتأخر بأننا كنّا نملك طوق النجاة ولم نمدّه، إن القلوب لا تنكسر دائماً من القسوة، بل تنكسر من المطاولة … من انتظارٍ طال حتى انطفأ الشغف. نصحية محب مجرب لا نترك كلماتنا الطيبة حبيسة الغد، ولا ـجيل وتسويف لجبر خاطرٍ يرتجف الآن، فالعلاقات التي تُترك طويلاً على رفوف الإهمال تحت مسمى غداً، تسقط وتتحطم دون أن تودّع، وتذكروا دائماً أن أشد أنواع الندم قسوة، هو ذلك الذي يأتي حين ندرك أن الاعتذار المتأخر، لا يعدو كونُه قُبلةً باردةً تُطبع بأسى على جبين جسد مسجى على نعش الغسيل الأموات.

للتواصل: [email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى