حين يصبح التسامح وجعا ويغدو الصمت مقبرة للكلمات

✍️وهيب شاهين – كاتب سعودي:
في هذا الزمن القاسي، يسيء كثيرون فهم النبل، فيظنون أن المتسامح ضعيف، وأن الصامت مكسور، لأنهم اعتادوا رؤية الضجيج قوة، والقسوة هيبة، والانتقام شجاعة. وما علموا أن بعض النفوس تخفي خلف هدوئها براكين من الألم، وتخفي خلف صمتها حروبا لا يسمع صوتها أحد.
التسامح ليس انكسارا كما يتخيلون، بل هو قرار موجع يتخذه من أنهك من الخيبات، واكتشف أن الانتقام لا يعيد حقا، ولا يرمم قلبا، ولا يطفئ نارا. المتسامح ليس عاجزا عن الرد، بل متعب من تكرار المعارك، مدرك أن بعض البشر لا يصلح معهم سوى تركهم لعدالة الأيام.
أما الصمت، فليس دائما حكمة كما يقال، بل أحيانا يكون قبرا للكلمات، ومكانا تدفن فيه مشاعر لم تجد من يفهمها. هناك من يصمت لأنه لو تكلم لانكسرت أشياء كثيرة، وهناك من يسكت لأنه أدرك أن الحقيقة حين تقال في آذان مغلقة تتحول إلى إهانة لصاحبها.
كم من شخص ابتسم وهو يحمل داخله حزنا يكفي مدينة، وكم من إنسان سامح فقط لأنه لم يعد يملك طاقة للكره، وكم من صامت كان أكثر الناس ضجيجا في داخله. لذلك لا تحكم على هدوء الآخرين، فقد يكون خلفه تعب عمر، أو خيبة ثقة، أو جرح لم يلتئم.
الحياة لا تكشف كل شيء، والناس لا يرون إلا السطح. أما الأعماق، ففيها قصص لا تحكى، ودموع لا ترى، وصبر لو وزع على الجبال لتصدعت.
فبعض التسامح وجع… وبعض الصمت نجاة.



