جدة تتحدث “الماندرين”.. احتفالية مبهرة باليوم العالمي للغة الصينية تجسد تلاقي الحضارات في قصر التنين

عنوان – جدة – نجوى عسيري – هشام نتو – نور الفارسي :
في مشهد ثقافي استثنائي اختلطت فيه أنغام الشرق الآسيوي بروح الضاد، احتفلت القنصلية العامة لجمهورية الصين الشعبية بجدة، مساء يوم الاثنين الموافق 20 أبريل 2026، باليوم العالمي للغة الصينية، وذلك في قصر التنين الصيني، تحت شعار «الصينية: تُضيء الأحلام الملوّنة»، وسط حضور رسمي وثقافي وإعلامي لافت عكس عمق العلاقات السعودية الصينية واتساع آفاقها المستقبلية.
وجاءت هذه الاحتفالية برعاية سعادة القنصل العام لجمهورية الصين الشعبية، يانغ يي، وبحضور سعادة مدير فرع وزارة الإعلام بمنطقة مكة المكرمة الأستاذ عبد الخالق بن عبدالله الزهراني، إلى جانب نخبة من القيادات الإعلامية، والأكاديمية، ورجال الأعمال، والمهتمين بالشأن الثقافي واللغوي، في مناسبة جسدت بوضوح التقاء الحضارات وتلاقي الثقافات على أرض جدة.
واستُهل الحفل بكلمات رسمية عبّرت عن عمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، حيث أكد القنصل الصيني في كلمته أن اللغة الصينية لم تعد مجرد وسيلة تواصل، بل أصبحت جسراً حضارياً يحمل في طياته تاريخاً عريقاً ومستقبلاً واعداً، مشيراً إلى أهمية تعزيز التبادل الثقافي والمعرفي بين الشعبين. من جانبه، أوضح الأستاذ عبد الخالق الزهراني أن هذه الفعاليات تسهم في ترسيخ الحوار الثقافي والإعلامي، وتعزز من حضور المملكة في المشهد الثقافي العالمي، مؤكداً أن الانفتاح على اللغات العالمية يمثل أحد مرتكزات التنمية المعرفية.
كما شهدت الاحتفالية مشاركات فكرية ملهمة، حيث قدّم عميد معهد الحكمة للغات، مايونغ ليانغ، طرحاً حول أهمية تعلم اللغات كأداة للتقارب الإنساني وبناء الجسور بين الشعوب، فيما استعرض الطالب السعودي إلياس الهويمل تجربته المتميزة في تعلم اللغة الصينية، مقدماً نموذجاً مشرفاً يعكس طموح الشباب السعودي وانفتاحه على ثقافات العالم، ودور التعليم في تقليص المسافات بين الأمم.
وعلى صعيد الفعاليات المصاحبة، تحوّل قصر التنين إلى لوحة نابضة بالحياة، حيث تنوّعت الأجنحة (البوثات) بين التقنية والثقافة والتراث، فاستعرضت الشركات الصينية أحدث ابتكاراتها في مجالات التكنولوجيا المتقدمة وصناعة السيارات، مقدّمةً نماذج متطورة تعكس الحضور الاقتصادي والتقني المتنامي للصين عالمياً.
وفي جانب آخر، خطف جناح «التراث» الأنظار بعروضه المتنوعة، حيث تألق الخط الصيني التقليدي، وتزينت الأركان بأزياء «الهانفو» التاريخية التي جسّدت عراقة الحضارة الصينية، فيما استمتع الحضور بعروض الشاي الصيني الأصيل التي قدّمها معهد الملك عبدالعزيز، في تجربة حسية وثقافية متكاملة نقلت الزوار إلى عمق الثقافة الصينية.
ولم تغب التجارب التفاعلية عن المشهد، حيث أتيحت للزوار فرصة خوض تجربة تعلم أساسيات اللغة الصينية وكتابة حروفها، في خطوة لاقت إقبالاً كبيراً من مختلف الفئات العمرية، عكست الاهتمام المتزايد باللغة الصينية داخل المجتمع السعودي، تماشياً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تنويع المعرفة والانفتاح على اللغات العالمية.
كما استمتع الحضور في جناح المأكولات بعروض حية لصناعة المعكرونة الصينية، حيث امتزجت المهارة بالفن في تقديم أطباق تقليدية نالت استحسان الجميع، لتكتمل بذلك تجربة ثقافية شاملة جمعت بين المعرفة والترفيه والذوق الرفيع.
وفي زاوية أخرى من الحفل، تجولت عدسات الإعلاميين وممثلي الصحف، من بينها صحيفة «عنوان»، لرصد تفاصيل هذا الحدث النوعي الذي يعكس تحوّلاً مهماً في المشهد الثقافي، ويؤكد أن اللغة لم تعد مجرد أداة تواصل، بل قوة ناعمة تسهم في بناء العلاقات الدولية وتعزيز التفاهم الإنساني.
واختُتمت الاحتفالية في أجواء ودية على مائدة عشاء فاخرة من المطبخ الصيني، حيث تبادل الحضور الأحاديث في أجواء تعكس عمق العلاقات ودفء الضيافة، مؤكدين أن مثل هذه الفعاليات تتجاوز كونها مناسبة سنوية، لتصبح منصة حقيقية لتعزيز الشراكات الثقافية والاقتصادية، ورسم ملامح مستقبل مشترك يقوم على الاحترام المتبادل والتبادل الحضاري.
وبين الحروف الصينية التي أضاءت أركان القاعة، والأصوات التي نطقت بها بلكنة سعودية شابة، بدت جدة وكأنها تتحدث “الماندرين” بطلاقة، في رسالة حضارية تؤكد أن اللغات حين تلتقي، تفتح أبواباً واسعة نحو عالم أكثر تقارباً وتفهماً.



