كتاب الرأي

بين القرب المكاني والبعد الإنساني

   ✍️ ريم منصور سلطان – كاتبة سعودية :

ما الذي يجعل إنسانًا يعيش بيننا أعوامًا طويلة ومع ذلك تبقى لغتنا بعيدة عنه، كأنها تمرّ بجانبه ولا تمسّه؟ هذا السؤال لم يكن عابرًا، فقد استوقفني وأنا أقرأ مقال الدكتور حزام السند بعنوان ( تعليم اللغة العربية للعمالة .. الكنز المهمل)، الذي أشار فيه إلى مفارقةٍ لافتة: أن هناك من العمالة من يقيم سنواتٍ في المملكة العربية السعودية دون أن يتقن اللغة العربية، وكأن القرب لم يكن كافيًا لصناعة الألفة.
ومن هنا، بدأت فكرة هذا المقال تتسع فنحن لا نعيش مع الآخرين بقدر ما نتقاطع معهم نلتقي في المكان، لكننا لا نلتقي في المعنى اللغة، التي يُفترض أن تكون الجسر بيننا، لكنها تبقى معلّقة، لا تُعبر بالكامل، ولا تُبنى بجدية، فيتحول التعايش إلى نوعٍ من التوازي الصامت، حياةٌ تسير بجانب أخرى دون أن يلامسه.
لكن هل اللغة وحدها هي الغائبة؟
أم أن ما يغيب قبلها هو الرغبة في الاقتراب؟
فاللغة لا تُكتسب فقط بالحاجة إنما بالانتماء، ومن لا يشعر أنه جزء من المكان، لن يسعى لأن يتكلم صوته، وربما لهذا السبب تبقى اللغة العربية بالنسبة للبعض أداةً مؤقتة، تُستخدم في حدود الضرورة، لا بابًا يُفتح للفهم الأعمق ولو مرت السنوات التي يعيشها في قلب هذا المجتمع ، لكن العلاقة لا تتغير، لأن ما يُبنى على الحاجة وحدها لا يتحول إلى ألفة.
وفي المقابل، نحن أيضًا لا نُسهم كثيرًا في كسر هذه المسافة. نعتاد وجودهم إلى حدّ أننا لا نراهم، ونكتفي بأدوارهم دون أن نلتفت إلى عوالمهم، وكانهم ضوء على زجاج نحتاجه ولكنه لا يترك أثر، فنُبقي العلاقة سطحية، وظيفية، لا تسمح بنشوء فضولٍ إنساني، ولا تخلق مساحةً مشتركة تُغري بالتقارب.
وهكذا، لا تعود المشكلة في تعلّم اللغة فقط،إنما في غياب العلاقة التي تستدعيها، فالكلمات لا تُحفظ هي تُعاش، واللغة لا تُتقن، إنما تُسكن في الروح ومن لم يسكن لغة المكان، يظل بطريقةٍ ماعابرًا فيها حتى وإن طالت إقامته. .
وربما الأعمق من ذلك كله، أن هذه المسافة لا تخصّهم وحدهم هي تخصّنا نحن أيضًا، لأنها تكشف عن خللٍ في مفهوم القرب ذاته، كيف يمكن أن نكون متجاورين إلى هذا الحد، دون أن نلتقي؟ وكيف تتحول السنوات إلى مجرد وقتٍ عابر، لا يترك أثرًا حقيقيًا في الفهم أو الاندماج؟
هذا المقال ليس لومًا بقدر ما هو تأمل، تأمل في تلك المسافة الصامتة التي نعيش داخلها دون أن ننتبه وفي سؤالٍ بسيطٍ ظاهريًا، عميقٍ في جوهره: هل نكتفي بأن نعيش معًا.. أم نحاول أن نفهم بعضنا حقًا؟
لأن بعض القرب لا تصنعه السنوات، بل تصنعه لغة فتبدأ من كلمة أمنه ، ولا تنتهي عندها.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. شكرا استاذه ريم على مقالك المتميز المتضمن اهميه اللغة العربية لغة القرآن الكريم وأهمية تعليمنا للعمالة الوافدة خاصة العماله المنزليه التي تعيش في منازلنا وقريبين منا واود ان انوه الى اهميه دعوة هؤلاء العماله الى الإسلام بالحكمه والموعظه الحسنه والمجادلة بالتي هي أحسن والحمدلله في بلادنا الغالية مراكز دعوة الجاليات ولها جهود طيبه وتوزع كتيبات لدعوة غير المسلمين والمسلمات وبلغتهم ويمكن التواصل مع داعيه يتكلم بلغة العماله ويدعوهم الى الإسلام ثم يتعلمون اللغة العربية وماتيسر من القرآن الكريم فكم لهذه الدعوة من اجرا عظيم اذا اسلمت هذا العماله ورجعوا الى بلادهم دعاة الى الإسلام وقد انقذهم الله من النار بسبب دعوتك إياهم فلنتجهد بدعوتهم الى الإسلام والحمدلله لااكره في الدين ان استجابوا فهذا فضل من الله ونعمه وان اعرضوا فقد اقمنا على الحجة وامرهم الى الله، والله بصير بالعباد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى