كتاب الرأي

ليس كل مكان يليق بنا

       ✍️ عبدالخالق الزهراني _ كاتب سعودي :

كم مرة دخلنا مكاناً، فقط لأننا نستطيع، لا لأننا ننتمي إليه؟

ليس كل ما يُتاح للإنسان يعني أنه مناسب له،
ولا كل ما يُطلب منه يعني أنه يليق به.

هناك فرق بين القدرة على الشيء، وبين استحقاقه الحقيقي في حياة الإنسان.
هذا الفرق لا يُدرك في لحظة، بل يتكون مع التجربة، ومع تراكم المواقف، ومع نضج النظر إلى الذات والعالم.

“رحم الله امرأً عرف قدر نفسه”
فلم يضعها في موضع لا يشبهها، ولم يرهقها بما لا يناسبها، لا في عمل ولا في حضور اجتماعي ولا في علاقة مع الآخرين.

معرفة الإنسان لذاته ليست انكفاءً،
بل هي امتثال لتلك البصيرة التي أودعها الله فيه؛
كما قال الله ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾،
يبصر بها مواضع التوقف، ويعي بها لحظات التقدم،
ويحمي بها روحه من ضجيج التوقعات.

في بيئة العمل، لا تكون القيمة في مطاردة كل فرصة،
بل في إدراك أي الفرص تُنمي الإنسان فعلاً، وأيها تستنزفه باسم الإنجاز.
فليس كل منصب ارتقاء،
ولا كل تكليف خطوة للأعلى،
بعضها يبدو تقدماً من الخارج، لكنه في الداخل يستهلك أكثر مما يضيف، ويأخذ من الإنسان ما لا يُرى بسهولة.

والنضج المهني لا يظهر في كثرة ما نتحمله،
بل في وعي ما نختاره لنحمله،
وفي القدرة على قول “لا” في الوقت الذي يظنه الآخرون فرصة، بينما يدركه الإنسان عبئاً لا يشبهه.

وفي الحياة الاجتماعية،
لا يكون الوعي في كثرة الحضور أو اتساع الدوائر،
بل في معرفة أين يكون وجودك إضافة حقيقية، وأين يتحول إلى مجاملة مستمرة تستنزفك دون أن تنتبه.

فبعض العلاقات تمنحك اتساعاً داخلياً،
وبعضها يجعلك تتقلص وأنت تحاول أن تبقى حاضراً فيها.

الإنسان حين لا يعرف قدر نفسه،
إما أن يبالغ في ذاته فيتعب من الصورة التي يحاول الحفاظ عليها،
أو يُقلل منها فيُحملها ما لا تطيق، وكأنه يعيش خارج توازنه الحقيقي دون أن ينتبه.

وفي الحالتين،
يفقد الإنسان بوصلته الداخلية تدريجياً،
ويبدأ بالتحرك وفق ما يُطلب منه لا وفق ما يشبهه،
فتصبح الحياة سلسلة من الاستجابات بدل أن تكون اختيارات واعية.

أما حين يصل الإنسان إلى درجة من الفهم الهادئ لذاته،
فإنه لا يندفع لكل فرصة،
ولا ينغلق عن كل شيء،
بل يوازن بين ما يريده وما يناسبه، بين ما يقدر عليه وما يليق به.

وهنا فقط،
يبدأ الإنسان في استعادة توازنه الحقيقي مع الحياة
في صمت واثق.

لعلنا ندرك أخيراً،
ليس النجاح أن يصل الإنسان إلى كل مكان،
بل أن يصل إلى المكان الذي لا يحتاج فيه أن يتصنّع نفسه أو يرهقها ليبقى مقبولًا.

رحم الله امرأً عرف قدر نفسه…
فسلِم من التشتت، ونجا من الاستنزاف، واطمأن إلى نفسه.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى