منافي السَرْمَد.. لماذا نكتب في وجه العدم الرقمي؟
✍️حسن المقصودي-كاتب سعودي:
في مِحفّةِ الوقت التي تجري بنا نحو المجهول، وفي غمرة الضجيج الإلكتروني الذي يبتلع صمتنا الداخلي، يبرز سؤالٌ كأنه منارةٌ في ليل الوجود: لماذا نكتب؟
إننا نكتب لأن الكتابة هي السرمدية المختبئة في تفاصيل اللحظة، وهي محاولتنا الجريئة لمصادرة الغياب واستبقاء الوميض الذي نلمحه في عيون العابرين أو في حفيف الذكريات، فنحن لا نخطُّ الكلماتِ لنملأ فراغاً، بل لنرمم ثقوباً في أرواحنا خلّفتها غربة الأيام وصراعات العصر.
لكن الكتابة اليوم، في زمن الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، لم تعد مجرد ترفٍ أدبي، بل غدت فعل مقاومة استثنائياً ضد نسيانٍ يترصد أسماءنا، وضد عدميةٍ تهددُ منجزاتنا البشرية؛ فالكاتب المعاصر يقف اليوم على ثغرةٍ صعبة، يواجه آلةً تولّد النصوص بسرعة الضوء وجمهوراً تآكل تركيزه بفعل التمرير السريع، مما يجعل التحدي الأكبر ليس في كيفية التدفق، بل في كيفية الحفاظ على الأصالة الوجدانية،وسط طوفان المحتوى المتكرر والمبرمج سلفاً.
إننا نكتب لنعلن انحيازنا للأبدية، ولنثبت أن الرؤية الصادقة هي الكائن الوحيد الذي لا يموت بموت صاحبه، بل تولدُ من جديد مع كل قارئ يجد فيها صدىً لوجعه أو ضوءاً لمساره، ولأن العالم اليوم بحاجة إلى أصالة الضعف الإنساني أكثر من حاجته إلى كمال الخوارزميات البارد.
لذا يا معشر الكتّاب، لا تخشوا غزو البرمجيات ولا عقم البيانات، بل اخشوا جفاف المعنى في صدوركم؛ فالرهان اليوم هو على الصدق لا على السرعة، وعلى الدهشة لا على التكرار. نحن نكتب لنعيد ترتيب الفوضى في عقولنا، ولنقول للعالم بملء أفواهنا: لقد مررنا من هنا، وكنا ممتلئين بالحياة.
نكتب ليبقى (سرمدنا) حاضراً، نابضاً، وعصياً على الفناء، فالفكر هو الترياق الوحيد الذي يمنحنا الحق في البقاء خلف حدود الزمن، فكونوا أنتم تلك البصمة التي لا تُستنسخ، والصرخة التي لا تخفت مهما تعالت أصوات العدم الآلي.
والسلام ؛؛؛
للتواصل : [email protected]



