كُوَيِّتِبَةً في مُحيطِ الكُتّابِ والأدباء

✍️ طاهرة الشامسي _ كاتبة عمانية :
أقفُ على شاطئ الحرف، أُبلّل أطراف أناملي بمداد التجربة، وأتأمل ذلك البحر الواسع الذي تعوم فيه أقلامٌ عتيقة، وأسماءٌ لامعة، وتجاربُ نضجت على نار الصبر والسنين. أراهم من بعيد كنجومٍ تهدي السائرين، وأرى نفسي قاربًا صغيرًا، لم يبتعد كثيرًا عن المرسى، لكنه يحلم بالإبحار.
لا زلتُ كُوَيِّتِبَة ،،
أتعثر أحيانًا في صياغة جملة، وأعيد ترتيب فكرة، وأمحو كلمة لأستبدلها بأخرى أكثر صدقًا. أكتبُ ثم أقرأ، فأجد في سطوري طفولة الحرف، وبراءة البدايات، وشيئًا من ارتباك الشغف حين يركض أسرع من القدرة على التعبير.
في محيط الكتّاب والأدباء، هناك من سبقني بخطواتٍ طويلة، من نقش اسمه في ذاكرة القرّاء، ومن شيّد لنفسه منبرًا من الثقة والتأثير. أما أنا، فما زلتُ أجمع حروفي كما تجمع الطفلة أصدافها على الشاطئ، تفرح بكل صدفةٍ صغيرة، وتراها كنزًا لا يقدّر بثمن.
لا زلتُ كُوَيِّتِبَة ،،
لكنني أؤمن أن كل كاتبٍ كبيرٍ كان يومًا صغيرًا، وكل شجرةٍ باسقةٍ كانت بذرةً خجولةً في باطن الأرض. أؤمن أن الطريق لا يُقاس بسرعة الوصول، بل بصدق المسير. وأن الحرف إذا خرج من القلب، وصل إلى القلوب، ولو كان بسيطًا، ولو كان قليل الزينة.
أكتب لأن الكتابة نافذتي إلى ذاتي، لأنني حين أكتب أرتّب فوضاي، وأهذّب حزني، وأضاعف فرحي. أكتب لأحاور العالم بصوتٍ لا يرتجف، ولأقول ما قد يعجز لساني عن قوله. أكتب لأترك أثرًا، ولو كان خفيفًا كنسمة، لكنه صادق كنبض.
في هذا المحيط، لا أزاحم أحدًا، ولا أبحث عن مقارنة. لكل قلمٍ لونه، ولكل روحٍ نبرتها الخاصة. أنا لا أريد أن أكون نسخةً من أحد، ولا ظلًا لاسمٍ كبير، بل أريد أن أكون أنا، بحروفي البسيطة، وصدقي العفوي، وتجربتي التي ما زالت تتشكل.
لا زلتُ كُوَيِّتِبَة ،،
أتعلم من النقد، وأكبر بالتجربة، وأفرح بكل قارئٍ يجد في كلماتي شيئًا يشبهه. يكفيني أن تمرّ عباراتي على قلبٍ متعب فتخفف عنه، أو على روحٍ باحثةٍ عن معنى فتمنحها بصيص أمل.
قد لا أملك بعدُ بلاغة الفحول، ولا عمق الفلاسفة، لكنني أملك شيئًا لا يقل شأنًا، أملك الرغبة في التحسن، والعزيمة على الاستمرار، والإيمان بأن الحرف أمانة، وأن الكلمة قد ترفع إنسانًا أو تؤذيه، وقد تبني وعيًا أو تهدمه.
لذلك أكتب بحذر المحب، وبشغف الحالم، وبصدق من يعرف أن الطريق طويل، لكنه جميل.
ختامًا …
لا زلتُ كُوَيِّتِبَةً في محيط الكتّاب والأدباء، لكنني لستُ خائفةً من البحر، ولا مترددةً أمام الموج، بل أمدُّ شراعي بثقة، وأهمس لحروفي:
سنكبر معًا ،،
سنتعلم معًا ،،
وسنصل، يومًا ما، إلى أفقٍ يليق بحلمنا.
للتواصل : [email protected]



