كتاب الرأي

بطولات رمضان.. صخب “الملاعب” وصدمة “المواهب”: هل ابتلع “اللاعب الرحّال” حقوق أبناء الحواري؟

     ✍️ حسن المقصودي-كاتب سعودي:

مع انطفاء الأضواء الكاشفة في ملاعب الأحياء، وطيّ صفحة البطولات الرمضانية لهذا العام المبارك، استيقظت أوساطنا الرياضية على واقع يضج بالتساؤلات الجوهرية. فبينما احتفلت الفرق المتوجة بالكؤوس وصخب المنصات، بقيت “الموهبة المحلية” حبيسة الدكة أو غائبة تماماً عن المشهد، وسط غزو لظاهرة “اللاعب الرحّال” الذي حوّل الشغف الفطري إلى “بزنس” موسمي يستنزف جيوب الفرق ويغتال أحلام أبناء الحي.
إن المتأمل في أهداف “رابطة الهواة لكرة القدم” (روابط الأحياء سابقاً)، يجد أنها وضعت خارطة طريق طموحة؛ تهدف إلى تنظيم العشوائية، واكتشاف المواهب لرفد الأندية والمنتخبات، وتعزيز الانتماء الوطني والمسؤولية المجتمعية. كانت الرؤية هي تحويل “الحارة” إلى منجم للذهب الكروي ومحضن للقيم. لكن مع انتهاء ماراثون رمضان، يبدو أن الفجوة بين “لوائح الرابطة” و”تطبيق الميدان” قد اتسعت بشكل مخيف؛ فبدلاً من صقل الموهبة الناشئة، رأينا سباقاً محموماً لتقديم “المنتج الجاهز” على حساب “الخامة الواعدة”.
لقد أفرزت بطولات هذا العام ظاهرة “اللاعب الجاهز العابر للمناطق”؛ ذلك النجم الذي يشد رحاله من مدينة لأخرى ومن منطقة لأخرى، ليس حباً في الشعار أو انتماءً للمكان، بل سعياً وراء “المظروف المالي”. هذا التسويق للاعب الجاهز حوّل دوراتنا الرمضانية إلى “سوق انتقالات” مصغرة تفتقر لأدنى معايير العدالة. فالموهبة التي تدربت طوال العام في أزقة الحي وتجرعت مرارة التعب، وجدت نفسها في “شهر الحصاد” مطرودة من التشكيلة الأساسية لصالح لاعب “رحّال” يملك الخبرة، لكنه لا يملك ذرة من روح الحي أو ولائه.
ولم تكن الضريبة فنية فحسب، بل مادية باهظة أرهقت كاهل المنظمين والفرق على حد سواء. فقد أصبحت فرق الأحياء تئن تحت وطأة تكاليف “البرستيج”؛ مبالغ ضخمة تُدفع كعقود مؤقتة لهؤلاء اللاعبين، ورسوم اشتراك مرتفعة تُفرض لتغطية الجوائز الفارهة والمظاهر الخداعة، بدلاً من صرف تلك الميزانيات على تطوير المنشآت أو توفير الرعاية الطبية للاعبين الهواة. هذا التوجه حوّل الفريق من “كيان اجتماعي” إلى “تجمع مصلحي” مؤقت ينتهي مفعوله بانتهاء الشهر الفضيل، تاركاً خلفه ديوناً مثقلة ومواهب محبطة شعرت بالغربة في عقر دارها.
إن أخطر ما تخلفه هذه السياسة هو “الانسلاخ النفسي” لجيل الشباب؛ فعندما يرى ابن الحي أن مكانه محجوز سلفاً لمن يدفع أكثر، ينطفئ لديه دافع العطاء، وتفقد فرق الحواري “هويتها” التي كانت تفتخر بها. لقد تحولت الملاعب من “مصنع للرجال” إلى “مسرح للمرتزقة الرياضيين”، وهو ما يضرب في مقتل جوهر أهداف الرابطة.
ختاماً، لقد انتهى رمضان وذهبت الكؤوس إلى خزائنها، لكن الأزمة ما زالت قائمة. إننا بحاجة إلى وقفة تصحيحية من “رابطة الهواة” لفرض قيود صارمة تربط اللاعب بمنطقته، وتضع حداً لغول “اللاعب الرحّال”. إن الاستثمار في “ابن الحارة” هو الاستثمار الحقيقي والمستدام، وما دون ذلك ليس إلا فقاعات صابون تنتهي بصفارة الحكم. فهل نرى في الموسم القادم بطولات تنبض بروح أبنائها، أم سنظل نشاهد “مسرحية الجاهز” تتكرر كل عام؟
                    والسلام؛؛؛

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى