المناسبات الوطنية

الشِّيفرةُ السعودية: هندسةُ التأسيسِ من صليلِ السيوفِ إلى تلاقي الكفوف

     ✍️ حسن المقصودي – كاتب سعودي :

في قلبِ الجزيرةِ العربية، وتحديداً في العام 1727م، لم يكن بزوغ شمس “الدرعية” مجرد ولادة لمدينةٍ من طين، بل كان استرداداً لـ “الشِّيفرة التاريخية” التي أعادت صياغة مفهوم الدولة والكيان. هناك، بين ضفاف وادي حنيفة، وضع الإمام محمد بن سعود حجر الأساس لـ “الدولة السعودية”؛ ليس كقوةٍ عابرة، بل كأيديولوجيا وحدةٍ صهرت الأرض والإنسان في بوتقةِ الكرامة، وأنهت قروناً من شتات الرعيّة وضياع الهوية.
لقد عبرت هذه الدولة العظيمة من بوابة التاريخ الصعبة، حيث كانت الأرض تمور بصراعات السيوف المحمومة، لتصهر تلك النزاعات في تنور الوحدة الكبرى. ومع انقشاع غبار الملاحم، انجلت صراعاتُ السيوف بحدها القاطع، لا لتقعد الهمم عن البناء، بل لتبدأ ملحمة تلاقي الكفوف. تلك الأكف التي صافحت فيها القيادةُ رعيّتها بميثاقِ الوفاء، فتلاشت المسافات في سبيل “الوطن”، وتحولت السواعد التي كانت تذود بالسيف إلى سواعد تبني اليوم صروح الحداثة، لتصل المملكة إلى مدارات السيادة العالمية بذكاءٍ تقني وطموحٍ لا يحده سقف.
واليوم، تقف المملكة العربية السعودية في مقدمةِ القوى الفاعلة على الخارطة الدولية؛ فهي ليست مجرد رقمٍ اقتصادي في مجموعة العشرين، بل هي بوصلةُ الاستقرارِ العالمي ومختبرُ الابتكارِ المستقبلي. لقد نجحت الدولة في توظيف إرثها التاريخي لتصبح “قوةً ناعمة” و”ثقلاً جيوسياسياً” يفرض احترامه في المحافل الأممية؛ من ريادة الطاقة الخضراء إلى غزو الفضاء، ومن صناعة القرار السياسي الدولي إلى احتضان كبرى الفعاليات العالمية، مؤكدةً أن “الدرعية” كانت نقطة الانطلاق لسيادةٍ لا تعترف بالحدود التقليدية.
هنا، في هذا الكيان الشامخ، تتجلى المركزية الروحية بعبقرية المكان؛ حيث تلتقي العروبة الخالصة بـ الإسلام الوسطي، لتشكل هوية سعودية حداثية لا تتنكر لمنبعها، بل تستمد منه قوة اندفاعها. إنها الدولة التي اختارت أن تكون الحضن الرؤوم الذي يطوق قبلة المسلمين بأهدابه، محولةً شرف “الخدمة” إلى “ريادة حضارية”، ومجعلةً من الحرمين الشريفين منارةً تبثُّ قيم السلام والتعايش من قلب المحراب إلى آفاق العولمة.
إن القوة التي انطلقت من ردهات “حي الطريف” التاريخي، هي ذاتها الطاقة الكامنة اليوم في رؤيتنا الطموحة. نحن أمام “دولةٍ مستمرة” تقودها قيادةٌ ملهمة وتدفعها رعيّةٌ وفية، في تلاحمٍ فريد يصنع المعجزات. إن الصياغة السعودية اليوم هي مزيج فاخر بين عراقة التأسيس وذكاء التحديث، حيث تحولت قيم السيف (العدل، والمنعة) إلى استراتيجيات للتنمية الشاملة، ليقف الإنسان السعودي اليوم متجذراً في تاريخه، شامخاً بعقيدته، ومنفتحاً بكفه نحو آفاق العالم بأسره.
إنه يوم التأسيس؛ اليوم الذي نعلن فيه للعالم أن “الدرعية” لم تكن مجرد عاصمة، بل كانت “مبتدأ” لخبرٍ عالمي لا ينتهي. إنه وطنٌ سعودي عربي مسلم، يصافح العالم بكفٍ من سلام، ويحرسُ المقدسات بقلبٍ من يقين، مستمراً في فكّ رموز المستقبل بشيفرةٍ بدأت بكلمة “تأسيس” وصارت اليوم عنواناً للنهضة، والريادة، والصّيرورةِ التاريخيةِ المتجددة.
والسلام ؛؛؛

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى