رمضان بين الشهور كيوسف بين إخوته

✍️د . عائض فهد القحطاني – كاتب سعودي :
كاتب ومؤلف اخصائي ارشاد نفسي خبير التوجيه السلوكي مدرب تنمية المهارات الشخصية
أجمل وصف لـرمضان قرأته
وصف إبن الجوزي حينما قال:
رمضان بين الشهور كيوسف بين إخوتِه فكما أن يوسف أحب الأولاد إلى يعقوب كذلك رمضان أحب الشهور إلى علَّام الغيوب
حين شبَّه ابن الجوزي شهر رمضان بيوسف عليه السلام بين إخوته، لم يكن تشبيهًا أدبيًا عابرًا
بل كان وصفًا عميقًا يحمل في طياته معاني الاصطفاء
والجمال
والمكانة
والابتلاء
ثم التمكين.
إنه تشبيه يفتح للقلب نافذة تأمل، ويجعلنا ننظر إلى رمضان لا كشهر عابر بل كقصة كاملة من النور.
فرمضان حين اختير بين الشهور
كان يوسف أحبَّ الأبناء إلى نبي الله يعقوب عليه السلام، فإن رمضان هو أحبُّ الشهور إلى علّام الغيوب.
فيه أنزل القرآن، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر
وفيه تُصفَّد الشياطين وتُفتح أبواب الجنان.
ليس تفضيله لأنه أطول الشهور
ولا لأنه أسهلها
بل لأنه أكثرها عطاياوأغزرها بركات وأقربها إلى القلوب الصادقة.
رمضان شهر الاصطفاء… تصطفى فيه الأعمال، وتُرفع فيه الدرجات، وتُضاعف فيه الحسنات. كأن الله يجعل منه موسمًا خاصًا للعودة، ومنصةً للتوبة، وفرصةً لا تتكرر إلا مرة في العام.
يوسف الجمال… ورمضان جمال الروح
كان يوسف عليه السلام آية في الجمال، حتى قيل إن نصف الحسن أُعطي له. لكن جمال رمضان ليس في ملامحه، بل في أثره.
جماله في سكينة السحَر، في دمعة تائب، في دعوة صادقة عند الإفطار، في روحٍ خفيفةٍ بعد أن أثقلتها الذنوب أحد عشر شهرًا.
يوسف خرج من الجُبِّ إلى القصر، ومن السجن إلى التمكين.
وكذلك رمضان، يدخل علينا وقد أثقلتنا الهموم، وأرهقتنا العادات، فيأخذ بأيدينا من ظلمة الغفلة إلى نور الطاعة، ومن أسر الشهوات إلى حرية الروح.
بين الابتلاء والتمكين
قصة يوسف مليئة بالاختبار، لكنها انتهت بالعز والرفعة.
ورمضان كذلك شهر مجاهدة: صيام عن الطعام، وصيام عن الخطأ، وصيام عن كل ما يُبعدنا عن الله.
لكن هذه المجاهدة لا تنتهي بحرمان، بل بتمكين داخلي؛ صفاء في القلب، وقوة في الإرادة، ونور في البصيرة.
إنه مدرسة تُدرِّب النفس على الصبر، وتُعلّم القلب الثبات، وتُعيد ترتيب الأولويات. من دخل رمضان بصدق، خرج منه مختلفًا… كما خرج يوسف من محنته أقوى وأرفع شأنًا
ختاما
إذا كان يوسف عليه السلام قد جمع بين الجمال والابتلاء والتمكين، فإن رمضان يجمع بين الرحمة والمغفرة والعتق من النار.
وإذا كان يوسف أحبَّ الأبناء إلى يعقوب، فإن رمضان أحبُّ الشهور إلى الله.
فطوبى لمن عرف قدره، وأحسن استقباله، وجعل منه نقطة تحوّل في حياته…
فربَّ رمضانٍ كان بدايةَ قصةٍ جديدةٍ بين العبد وربه، أجمل من كل القصص



