بين الرخصة والتخصص… من الأحق بقيادة المجال؟

✍️علي مديني السيد – كاتب سعودي :
في كل مجال مهني، هناك فرق يجب أن يكون واضحاً لا يقبل اللبس: فرق بين من تخصص في المجال دراسةً وممارسةً وخبرة، وبين من يكتفي بالحصول على رخصة تخوله العمل فيه.
الرخصة مستند نظامي يثبت أهلية قانونية، لكنها لا تختصر سنوات الدراسة ولا تعوّض التجربة الميدانية ولا تمنح صاحبها عمق الفهم الذي يتكوّن عبر الاحتكاك اليومي بالتحديات. المتخصص الحقيقي لا يحمل مجرد شهادة، بل يحمل مساراً كاملاً من التعلم والتدرج والعمل والتطوير المستمر. يعرف تفاصيل المجال الدقيقة، ويدرك مسؤولياته، ويستطيع اتخاذ القرار بثقة مبنية على خبرة حقيقية.
في المقابل، قد يأتي شخص من تخصص آخر، يعمل في مجال مختلف تماماً، ثم يحصل على رخصة في هذا المجال ويدخل السوق مباشرة. من الناحية النظامية لا خطأ في ذلك، لكن من ناحية الجودة والكفاءة، لا يمكن مساواة الحالتين. فالتخصص العميق ليس دورة قصيرة ولا اختباراً يُجتاز، بل رحلة طويلة من التأسيس والمعرفة المتراكمة.
المشكلة لا تكمن في انتقال الأشخاص بين المجالات، فالتحول المهني أمر طبيعي ومقبول، بل قد يكون إضافة قيمة إذا تم بجدية وتأهيل حقيقي. الإشكال يحدث حين يتم القفز السريع دون تأسيس كافٍ، فيختلط المتخصص بغير المتخصص، وتضيع المعايير، ويحدث التداخل والارتباك داخل القطاع.
عندما تتساوى الكفاءات الحقيقية مع التجارب السطحية، تنخفض جودة الأداء تدريجياً، وتتأثر سمعة المجال أمام المجتمع. وهذا خطر لا يهدد الأفراد فقط، بل ينعكس على صورة القطاع بأكمله.
إن حماية التخصص ليست تعصباً، بل مسؤولية. ومن درس وتعمق واكتسب الخبرة يستحق الأولوية والتقدير. وفي الوقت نفسه، من يرغب في دخول المجال عليه أن يمر بمسار تأهيل واضح وجاد، يحفظ جودة العمل ويرفع مستوى الأداء.
المجالات المهنية لا تنهض بالكثرة، بل بالكفاءة. والفارق بين الرخصة والتخصص ليس تفصيلاً إدارياً، بل معيار جودة يجب أن يبقى واضحاً للجميع.
للتواصل : [email protected]



