الاخبار الفنية والثقافية

القصيدة كما يجب أن تُكتب حديثٌ مع الشاعر أحمد بن علي المقبالي

بقلم: محمد بن العبد مسن

في زمنٍ غلب فيه السطح على العمق، والادّعاء على الصدق، يخرج إلينا صوتٌ مختلف، عميقٌ كجذور النخيل، صادقٌ كنبض السيوف، نقيٌّ كفجرٍ لم تُدنّسه الزيف.

القصيدة كما يجب أن تُكتب… لا كما يُراد لها أن تكون.
هي مبدأ، لا مجاملة. وهي موقف، لا زخرفة. وهي وعد، لا وهم.
ومن بين الأصوات، يتجلّى الشاعر أحمد بن علي بن سعيد المقبالي، فارسُ الكلمة الذي يمشي بالقصيدة كما يمشي الأصيل بخطاه: ثابتًا، مهيبًا، لا يلتفت لصخب الطارئين.

لقاؤنا معه لم يكن لقاءً صحفيًا بقدر ما كان وقوفًا في محراب الكلمة… في حضرة شاعرٍ يرى في الشعر أمانةً لا تبرح الضمير.

■ سعادة الشاعر، لنسأل أولًا: متى يولد الشعر فيك؟ ومتى تهبّ القصيدة من مرافئ الصمت؟

أحمد المقبالي:
الشعر ليس صناعة، بل وحي. لا أستجلبه، بل ينتفض في داخلي حين يشتد الصدق، ويضيق الصدر.
قد يولد من نظرة، من موقف، أو من لحظة حنين تطرق القلب بلا موعد.
كما حدث ذات مرة، حين رأيت المها، فانبثق:

شفت المها ياللي تثنّى جديله
من عينها الشهلى تشن الحرايب

هنا لا يكون الشعر قولًا… بل حضور

في قصائدك حضور كثيف للكرامة، والصدق، والثبات.. هل ترى أن الشعر اليوم ما زال قادرًا على حمل المبدأ؟

أحمد:
الشعر لا يُكتب ليُعجب، بل ليُخلّد. الكلمة سلاح، والعزّة عقيدة.
حين كتبت:

وأنا الكرامة ما أساومها بمال
لأن الكرامة لا تباع، ولا تُشرى

كنت أقول الحقيقة، لا الشعر. أنا لا ألبس في قصيدتي رداءً لا يخصني، ولا أستخدم الحرف إلا حين يكون وفيًّا لما أؤمن به.

■ تقول:

أجول في دنيا بها سيوح وجبال
وأتبع مسار الذيب لا منه سرى

أهي استعارة حياتية؟ أم رؤيا شعرية؟

أحمد (بصوتٍ عميق):
هي رؤيا ومسيرة. الذئب، كما تعلم، لا يسير في دربٍ مرسوم، بل يصنع لنفسه طريقًا.
أنا لا أُجامل في اختياراتي، ولا أكتب لأكسب التصفيق.
أسلك درب الصدق، ولو قلّ سالكوه.

نلمس في شعرك وجعًا صامتًا، وحنينًا لا يُفصح، لكنه يَفيض.. هل هذا الوجدان ضعف؟ أم وجه آخر من القوة؟

أحمد:
الوجدان، حين يخرج من رجلٍ يعرف مَن هو، يكون قمة القوة.
حين كتبت:

لا لا حشى ما بعت عهدك وقفيت
موفي على وعدك وعندي وثايق

كنت أُصغي لذاكرتي، وأخلّد وفاءً ما باع، ولا خان.
الحبّ لا يعني الذل، بل أن تملك القدرة على الرحيل، وتختار البقاء صادقًا.

وتقول في موضع آخر:

وأنت على فراقي وبعدك تسليت
وأنا على فرقاك قلبي حرايق

هل هي شكوى؟ أم شهادة لا تُرد؟

أحمد (بابتسامة حزينة):
هي شهادة. لا أعاتب من خان، بل أكتب لئلا يُنسى الموقف.
أنا لا أبكي في القصيدة، بل أكتب لأُذكّر نفسي أنني كنت صادقًا، وأنّ الجرح لا يُلغي قيمة القلب.

ما رسالتك للشعراء الجدد، الذين يسيرون اليوم في طريق القصيدة؟

أحمد:
أن يتقوا الله في الكلمة.
ألا يكتبوا ليُصفّق لهم الناس، بل ليحترموا أنفسهم حين يقرؤون ما كتبوه بعد سنوات.
الشاعر الذي لا يحمل في قلبه قضيّة، لن يُخلّف قصيدة تستحق البقاء.

وقبل أن ينصرف الشاعر، نظر إلى الأرض نظرة تأمل، ثم قال:

واطلب من المعبود لا قمت صليت
يبري هموم من في حشى الروح عايق

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى