في اليوم العالمي للفلسفة .. ماذا نقول لهم؟..
✍️ مها الشاعر .. كاتبة سعودية :
“طاليس – «التأكد يجلب الخراب»
سولون من أثينا – «لا تكثر من شيء».
خيلون الاسبرطي – «اعرف نفسك».
بياس من برييني – «كثرة العمال تفسد العمل».
كليوبولوس من لندوس – «كل اعتدال محمود».
بيتاكوس من ميتيليني – «اعرف فرصتك».
برياندر حاكم كورنث – «التبصر في كل شيء».”
وقد وضع اخرون ابيمنيذس مكانه.”
هؤلاء هم حكماء اليونان السبعة .
بدأت الفلسفة أو ما يعرف بفعل التفلسف مع من كانوا يعرفون بالفلاسفة الطبيعيين في القرن السادس قبل الميلاد، وكان يطلق عليهم لقب – الحكماء السبعة – ، ويشار إليهم بالبنان حيث أنهم كانوا سبب الإنتقال من الفكر الأسطوري السائد، والذي يندرج تحت تعدد الآلهة والخرافات والأساطير التي كانت تحاك حولها في ذلك الوقت ، إلى الواحد أو الوحيد الذي يعود إليه أصل ومنشأ كل هذا الكون .
ومن هنا كانت إنطلاقة الشرارة الأولى في علم الفلسفة، ولكن المفارقة هنا بأنه كان يسمى في حينها علم الحكمة .
ويعود سبب تسميتهم بالفلاسفة الطبيعيين، وذلك بأنهم كانوا يبحثون عن أصل الوجود من خلال دراسة العناصر الطبيعية من حولهم، وكانوا أول من بدأ في وضع الركائز الأساسية للتفكير العقلي الفلسفي “اللوغوس”.
ولكن كانت جميع دراساتهم تدور في محور نشأة الكون وتفسير الطبيعة، حتى جاء عصر أبو الفلاسفة كما يحب أن يطلق عليه أتباع هذا العلم “سقراط”، وحدث الإنتقال من مسمى الحكمة والحكماء إلى الفلسفة والفلاسفة، بمفهومها وأصولها المتعارف عليها في وقتنا الحالي.
“كان الماء عند طاليس هو المادة الأولى التي صدرت منها الكائنات وإليها تعود، وقد ملا عليه الماء شعاب فكره، حتى خيل إليه أن الأرض قرص متجمد يسبح فوق لجج مائية ليس لأبعادها نهاية، ويرجح أرسطو أن يكون طاليس قد خلص إلى هذه النتيجة لما رأى الحياة تدور مع الماء، وجوداً وعدماً، فتكون الحياة حيث الماء، وتنعدم حيث ينعدم”.
من كتاب قصة الفلسفة اليونانية لأحمد أمين.
وافق يوم الخميس الماضي اليوم العالمي للفلسفة، حيث جعلت اليونسكو من كل ثالث يوم خميس في شهر نوفمبر يوماً عالمياً للفلسفة من كل عام.
“وهي تؤكد بذلك على القيمة الدائمة للفلسفة لتطور الفكر البشري، لكل ثقافة ولكل فرد. اليونسكو كانت دائما مرتبطة ارتباطا وثيقا بالفلسفة، وليس الفلسفة التأملية أو المعيارية، بل الفلسفة التي تمكننا من إعطاء معنى للحياة والعمل في السياق الدولي.”
“” يُعرّف قاموس ميريام وبستر الفلسفة بأنها؛ مجموعة من الأفكار حول المعرفة والحقيقة وطبيعة الحياة ومعناها.
أصل كلمة فلسفة مشتق من كلمتين لاتينيتين: فيلو وتعني “حب”، وصوفيا وتعني “حكمة”. فكّر في السؤال الذي يطرحه الأطفال كثيرًا: لماذا؟!
هذا الحب المتأصل للحكمة، والحاجة إلى الفهم، يمتد إلى كل شيء في الحياة، ولهذا السبب تتناول الفلسفة طيفًا واسعًا من المواضيع والمفاهيم التي تندرج تحت فروع الفلسفة.””
وللفلسفة عدة فروع، حيث تدرس نظرية المعرفة الميتافيزيقيا التي تعنى بفهم الواقع والوجود، والمنطق المعني بدراسة الحجة والعقل، وعلم القيم الذي يدرس التقييم في إطار الجماليات والأخلاق، وأخيراً الفلسفة السياسية التي تعنى بدراسات الحكومات وتوجهاتها.
نشأت الفلسفة اليونانية في القرن السادس قبل الميلاد، وفي الوقت ذاته نشأت تقاليد فلسفية أخرى مشابهة في الصين والهند.
” نشأة الفلسفة: نشأت الفلسفة واشتهرت في بلاد اليونان، بل وأصبحت مقترنة بها على الرغم من وجود الفلسفات في الحضارات المصرية، والهندية، والفارسية القديمة.
وما ذلك إلا لاهتمام فلاسفة اليونان بنقلها من تراث الشعوب الوثنية، وبقايا الديانات السماوية مستفيدين من صحف إبراهيم وموسى – عليهما السلام – بعد انتصار اليونانيين على العبرانيين بعد السبي البابلي.”
من كتاب مصطلحات في كتب العقائد لـ محمد بن إبراهيم الحمد
ازدهرت الفلسفة اليونانية في القرن الرابع قبل الميلاد، ووصلت إلى ذروتها في أثناء حياة سقراط، وتلاميذه أفلاطون وأرسطو، وتعرف هذه الفترة بالفترة الكلاسيكية، كما تعد الفلسفة اليونانية منشأ الفلسفة الغربية والإسلامية كذلك.
حيث قامت الفلسفة على أسئلة حول الحياة والعالم والوجود ، وهذه الأسئلة تبحث عن أجوبة تستند إلى المنطق.
وكانت هناك أسباب عدة لظهور الفلسفة وإزدهارها في اليونان دون غيرها .
ولعل من أهمها العامل الجغرافي، حيث كانت بلاد اليونان الكبرى ذات موقع استراتيجي يتوسط القارات الثلاث، آسيا وأوروبا وأفريقيا.
بالإضافة إلى أنها كانت تطل على حوض البحر الأبيض المتوسط، والذي كان مهد الحضارات في العصور السابقة.
وكذلك عاملي التاريخ والإقتصاد، حيث أن القبائل والمدن والجزر اليونانية، والتي كانت نتاج تجمع شتات لفصائل وقبائل متناحرة في العصور المظلمة، واستمرت حتى حوالي العام ٨٠٠ ق.م، فكان الإلتفاف حول أمة واحدة ووحدة قومية مطلب في حينها، وشهدت البلاد عهداً جديداً ظاهراً مع ظهور الحضارة اليونانية.
وأيضاً من العوامل التي ساعدت في انبثاق الفلسفة والمعرفة من اليونان العامل الإقتصادي.
حيث ساعد ارتفاع مؤشر النمو في قطاع الفلاحة، وكذلك الصيد البحري، متزامناً مع اكتشاف الحديد الذي أدى إلى ازدهار الصناعة، مما أدى إلى تطور وزيادة فرص النمو، سواء عبر التجارة الداخلية أو الخارجية.
مما ساهم في تطور علم الحساب مقابل زيادة عمليات التبادل التجاري عبر البر والبحر ، وكذلك تطور علم الفلك للتقليل من المخاطر الملاحية.
وكان العامل الإجتماعي أيضاً له دور ، حيث برزت ثلاث شرائح اجتماعية، ألا وهي الفلاحين، ومن ثم الصنّاع وتبعهم التجار، وكانت هذه الفئات تتنافس على الحكم، وهذه المنافسة كانت تدفع كل فئة من هذه الفئات إلى محاولات لإثبات دورهم في المجتمع، على كافة النواحي، بمختلف المرجعيات الثقافية والدينية.
كما كان لبسط النفوذ السياسي سلطته على المجتمع، وكان له أحد أهم الأدوار في تحديد السمات الفكرية والثقافية للمجتمع، وذلك بعد بروز الممارسات الديمقراطية ، بالإضافة إلى الجناح الديمقراطي “الإرستقراطيين والتجار”، بسبب النزاعات السياسية والإجتماعية بينهما .
وأيضاً لا نغفل عن الدور الثقافي والفكري، حيث يزخر التراث اليوناني الأسطوري بعدد من الملاحم التاريخية، ومن أشهرها الإلياذة وأوديسا لـ هوميروس التي أثرت الحضارة اليونانية، وجعلتها موطناً خصباً للفلاسفة.
“إن اصطلاح الفلسفة لا خلاف في أنه جاء من اللغة اليونانية، أما المعنى المُستخدَم فيه هذا المصطلح، فنجد ما يوازيه ماثلًا عند الأمم الأخرى، مثل «نيميقي» عند البابليين، «سوفيا» عند المصريين، «جنيانا» عند الهنود.”
وتهتم الفلسفة بترسية وترسيخ الفكر الإيجابي ، وإرساء دعائم الحرية والسلام ،والدعوة إلى التعايش بأمن وأمان واستقرار، والبحث في قيم الجمال والأخلاقيات، وارتباط كلاً منهما بالآخر ومدى تأثيره عليه، لذا حددت اليونيسكو يوماً عالمياً للاحتفاء بالفلسفة في ٢١ نوفمبر من عام ٢٠٠٢، بحيث يوافق كل ثالث يوم خميس من شهر نوفمبر من كل عام.
فكل عام ونحن وإياكم ننعم بترف العلم والمعرفة والجمال .. وبمثل هذا تنشأ وتنمو وتزدهر الأمم والحضارات .
ماذا نعرف عنهم ؟!
كتب شريف محمد جابر في مقالة بعنوان؛ ماذا تعرف عن فلاسفة الإسلام الحقيقيين؟ ولعلي اقتبس منه هذا النص:
” ليس من المخجل أبداً ألا تعرف شيئا عن فلسفة أرسطو وأفلاطون ونيتشه وديكارت وهيجل وغيرهم، بل العيب كل العيب ألا تعرف بأنّ لأمّتك فلسفتها الخاصة وفلاسفتها الأصلاء، وألا تحاول أن تقرأ شيئا من كتبهم، وألا تقدّر هذا الإنتاج المعرفي في ضوء عصره وظروفه، ثم تبذل جهدك للبناء عليه في ضوء معطيات عصرك ومتطلّباته الفكرية والروحية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها.”
أكاد أجزم بأن المقال طرح الكثير من التساؤلات التي تدور في أذهان الكثير منا.
أين نحن من الفارابي، والكندي، وابن سينا، وابن خلدون، وابن حيان، وابن عبدالبر، والخليل الفراهيدي ، وعبدالقاهر الجرجاني، ابن حزم، وابن رشد وغيرهم الكثير، من فلاسفة في الدين، وفي الفكر، وفي اللغة وغيرها من العلوم ؟
بالكاد نعرف عنهم إلا ما قد يكون سقط سهواً في بعض المقررات المدرسية في المراحل التأسيسية، وبعض الإجتهادات لبعض الباحثين.
برامجنا الثقافية، مسابقاتنا العلمية، مؤسساتنا التعليمية، أنديتنا الأدبية، الخاصة منها .. والعامة.
ماذا لو أقيمت مسابقات تطرز بأسماء هؤلاء النجوم حقاً، وجوائز في مباحث فلسفية تختص بتلك العلوم التي تركوها لنا، والبحث في مناقبهم و محاسنهم والحث على إقتفاء أثرهم؟
سهل على المرء أن يعجب بنتاج وثقافات شعوب وحضارات تخالفه في العقيدة، والمبادئ والدوافع، والأهداف والتوجهات ، ولكن صعب عليه اقتفاء هذا الأثر، لأن الطريق والطريقة أيضاً .. مختلفة تماماً.
على العكس مع ممن تشابه، فكيف إذا كان من تشابه صاحب علم وسمو ومعرفة وفلسفة عريقة ، فهو أولى بالتبعية والإتباع.
والتبعية ليست دائماً بالصورة التي يروج لها من السوء، بشرط أن تحسن في إختيار أنت تتبع أثر من ؟
لست مع فريق نحن وهم، ولست ممن يرفض مصدر العلم النافع بممن صدر عنه، وأنا أحد أشد المعجبين بفلاسفة اليونان وبفكرهم وأقوالهم، ولكن لدينا من التاريخ الفلسفي العظيم ما يستحق الزهو به، والإفتخار بمؤسسيه ومنجزاتهم، وإقتفاء أثرهم.
ولعل من أبرز صور الشكر والإمتنان لما خلفوه لنا من هذا العلم العظيم، هو إقتفاء أثرهم وذكر مناقبهم، ونشر علمهم، ووضعه بالمكانة التي تليق، فليست الأرفف كافية لحمل هذا الفضل العظيم، و بقاءه هناك جامداً دون أثر يذكر.
إن الحكمة هي النظر في الأشياء بحسب ما تقتضيه طبيعة البرهان.
ابن رشد.
للتواصل [email protected]



