الرياض منبر ثقافي يعيد تشكيل الهوية السعودية

عنوان _ الرياض _ عنبر المطيري :
تكتسي الرياض وقارها من هيبة الكلمة ، وارتشاف الثقافة بشكل مُذهل حتى باتت فاتنة تحتضن الفنون الأدبية كعرس ثقافي
يرتاده المثقفين والمهتمين لينهلوا من وقارها سيرةً ، وروايةً وشعراً وقصة ..تنضم لسابقتها من المعارف .
واليوم صارت أحد أجمل مظاهر
المشاهد المُهمة على الساحة الفكرية حيث انها فتحت المجال الواسع للأديب شاعراً وكاتباً روائياً وقاصاً يتنفس فيها بفنه وفكرته ويحلق بخياله لقارات الإبداع مستلهماً براعته في ذلك .
ومن المهم أن ندرك أن الاحتضان الثقافي المُلفت تحت مظلة وزارة الثقافة وعبر هيئة الأدب والنشر والترجمة التي رسمت لنا هذا الازدهار في لوحة فنية أبطالها الشعراء والشاعرات ، والكُتّاب ، والروائيين والروائيات ،
والقاصين ، والقاصات والذين أجادوا الحضور ولفت الجمهور للقلاع الذي ترقصُ في أفكارهم وعبر أقلامهم الباذخة المُحصنة بأجمل رموز الفتنة الأدبية والتي تملك الملكة المتفردة في كل أمسية ناخت لنا ركابها مفتتنين بحجم الفضاء القابع بين ولادة ورحلة ممتدة في محيطها العمري الكتابي …المزدهر ببلاغة الرؤية .
ولا ننسى أن المكتبات الكبيرة بالرياض كمكتبة الملك عبدالعزيز ومكتبة الملك فهد الوطنية من الجهات الثقافية المهمة والتي تنوعت فيها اللقاءات والأمسيات الحية بحضور الضيف وجمهوره المُرحب .
ومن ناحية أخرى نلاحظ أن العدسة المُكبرة تسلط ضوؤها على المقاهي الأدبية والتي أصبحت منصات حقيقية للأدب بأبطال الفنون الأدبية المعروفين في أنحاء الوطن با الإضافة إلى الأصوات الجديدة التي تعرفنا عليها عن قرب
.
لاحظنا قوة التمكين للكتاب الجدد من الظهور والسؤال ، والاستفهام ، حول كل مايهمهم معرفته وتعلمه …
وسعدنا كذلك بلقاء كبار الشخصيات عبر تلك اللقاءات المُباشرة وفي منصات المقاهي .
ومن أبرز الأمسيات التي تشرفت بحضورها خلال هذه الأسابيع وضمن مبادرة الشريك الأدبي أمسية شعرية للأديب الشاعر الاعلامي محمد عابس بمقهى أدب والتي أدارها زميله القدير الإعلامي عبدالعزيز العيد بعنوان “تفاصيل متمردة تبحث عن ذاكرة” ثم توقيع لديوانه “إليهم في سماواتهم ليلة ..
أمسية رائعة جدا نسجت سمائها بجمال ساحر سافرنا معه بين مدائن الشعر العمودي وشعر التفعيلة والحداثة وقد تنفست قصائده في وجداننا حية ..
اضاء الأمسية ببراعته وحكمته وحسن إدارته لنصوصه وإجاباته فقد حظي بحظور رائع من الأدباء والمثقفين الواعين السعداء والمتواجدات من المثقفات كذلك وكانت المداخلات حاضرة بديعة ومفيدة كذلك ..
كذلك حضرت وبتاريخ ٢٩ اكتوبر للأديبة الشاعرة الدكتورة نجوى الكحلوت وضمن مبادرة الشريك الأدبي بمقهى السبعينات وتحت ضيافة أ: محمد الشنقيطي أمسية ادبية استثنائية بعنوان “هنا الرياض قراءة في أدب غازي القصيبي ” وقد حلّقت بنا في سمائه بذكاء وببراعة أديبة محبة لفن هذا الأديب الراحل الذي يعتز به الفن السعودي كروائي ، وكشاعر ، وكقارئ مثقف رحم الله الدكتور غازي القصيبي …
وبتاريخ ٤ نوفمبر وببيتِ الثقافة حضرت أمسية “الروائي الراحل عبدالعزيز مشري -ذاكرة القرية- للإعلامي الأستاذ عبدالله وافية وضمن مبادرة الشريك الأدبي تحت مظلة صالون نبل الثقافي أ: منصور الزغيبي وبإدارة زميله أ: بندر العويمري القدير وازدانت الأمسية بحضور مكثّف ملاء مدرّجات بيت الثقافة بالرياض
وخلال تلك الليلة قدّم قراءة عميقة في تجربة الروائي الراحل عبدالعزيز مشري
وأشار إلى تنوّع مشري السردي بين القصة والرواية، وتجلّي القريّة في نصوصه كذاكرة حية تحفظ الموروث الشعبي .
وخلال هدوء تلك الليلة آسرنا وافية بالكثير من مشاعر الحزن عندما سرد لنا معاناته مع مرض السكر والفشل الكلوي وبتر بعض أطرافه والرحلة المرضية التي عاشها مابين شغف وألم وكيف كان يتعامل مع القلم ويده الني أنهكها مرض السكر ليمارس عطائه الأدبي ..
وفي ليلة متفردة تشرفت بالحضور لأمسيةٍ
مليئة بالحميمية والحب الأخوي والحماس القابع من داخلنا لأمسية الأديبة الكبيرة المبدعة عبير العيد التي صافحتنا عبر مقهى ١٢ حاسة بحي الريّان ضمن الشريك الأدبي كذلك بموضوع مهم يحمل عنواناً أنيقا “نكهة الكلمة” ونوهت السيدة عبير من خلاله بأن الانسان يستطيع أن يصنع لنفسه صوتاً وكيفية منوهة أن للأحاديث بصمة . فبصمة الشاعر تختلف عن بصمة الإعلامي ، وبصمة الحديث الأكاديمي تختلف عن الشخص العادي .
فللكلام هوية نحتاج التعرف عليها
كبناء الكلمة بمحيطها المختلف ، وأوقاتها المختلفة .
فبعض الكلمات لها وقع صباحي وبعضها لها وقع مسائي …ومدى تأثيرها في العالم المستمع . وتركز في توجهاتها على القراءة . ولديها جمعيات تتحدث فيها عن نمط الكتابة ، ونمط الحديث ، والصياغة الكتابية ، وتناقش كذلك بعض الكتب الأدبية والثقافية .
فلديها حراك ثقافي بالعاصمة الثقافية الرياض …
حضر لأمسيتها حضوراً معجباً بعطائها وبفكرها المتفرد جداً فالسيدة عبير إذا احتنضت المايك تراخى الجمهور بسمعه لقطوفها الدانية …فهنيئاً للأدب الذي تتربع في جبينه .
ويتقد مقهى السبعينيات بأمسيات متنوعة ومن أبرزها أمسية “ألف سؤال والجواب قصيدة” للشاعرة الاستثنائية فاطمة الشهري التي حلّقت بنا في ملكوتها كغيمة ممطرة انثالت بيننا كالسيل العذب المنهمر أذهلتنا بـ قوافيها وأشعارها الرائعة بصوتها الهادئ الممتلئ بالسكينة والإطمئنان . ولفتني الحضور الراقي لأمسيتها من شعراء وأدباء ونقاد وإعلاميين فاضت بهم ألوان الدهشة والإعجاب مابين مصفق ، ومُتسائل ، وممتنّ ، وباحث عن رونق العظمة في قوافيها السامقة ..
فاطمة الشهري أيقونة الشعر الحقيقي في الميدان الأدبي الشعري ..
وفي تاريخ ١٥ نوفمبر حضرتُ أمسية مليئة بالشاعرية والعذوبة للشاعر القدير أ: تركي المعيني الذي حلق بنا في فضائه الشعري من كتابه الأخير “كآخر الخارجين من غرناطة” سرقنا من واقعنا با أسلوبه الحزين الرصين المُختزن بالإبداع وكأنه يُصافح الأمكنة والأرواح بوجدانياته العذبة فائقة الخُمر . قاسمنا شعوره الشجي بصوته الهادئ ، و أدائه الساحر .
كان الجميع رهن شعره وإحساسه الذي ملاء به أرجاء الأمسية وكان الحضور ذلك المستمع المُستمتع ..
با اختصار أ:تركي لم يكن شاعراً فحسب بل مجموعة إنسان.
ولا أنسى مداخلة أحد الضيوف الحاضرين أ:نواف المعنى التي أدهشت الحضور الكريم ، فكان التفاعل بينه وبين المستمعين تفاعلاً طيباً ، وحيوياً محاولين البحث عن سبب الحزن الذي بانت ملامحه في شعره وإلقائه مطمئناً جمهوره أنها مجرد مشاعر كانت هي الفتيل الأول لروح شعره وهو في واقعه بفضل الله يتسم بمحياه البشوش وروحه الرحبة –
وفي ١٠ نوفمبر حضرت للأديب الراقي أ: محمد بن سعد الرشيدي أمسية بعنوان “بين القصيدة والحياة ” شارك كافيه وتحت مظلة نادي وسم د.هند الظاهري
تحدث عن أهمية الشعر، ومدى تأثير الكلمة في العرب من قديم الزمان إلى يومنا هذا، واستعرض قصيدة قُتيلة بنت الحارث في رثاء أخيها النضر بن الحارث الذي قُتل في بدر بأمر من النبي عليه السلام، وتأثر النبي بسبب القصيدة.
تطرق للكثير من القصائد مثل:
غزلية عُروة بن أُذينة، والتي مطلعها:
إنّ التي زعمت فؤادك ملها
خلقت هواك كما خلقت هوى لها
واستعرض كذلك قصائد لزاهد القرشي، منها:
كنَّا قريبين ماكنَّت خوافقنا
أحلى من الشهد أو أنقى من الألقِ
الرياض
من أدخل (الناس) فيما بيننا حسداً ؟
كنَّا قريبين ( كالإخلاص و الفلقِ ) !!
———-
كذلك
تقطَّع ماءُ وصلٍ كان يجري
بما شاد الصدود من السدودِ
ولو أني عرضت لماء جيشٍ
لما عزت يداي عن الورودِ
خلا أن التأبِّي من خلالي
و أحمدهُ بما قد كان يودي
رمتني بالمنايا منك عينٌ
ولم ترمي بها عين الحسودِ !
أمسية راقية بحضور راقٍ كذلك وتفاعل ساخن في الأدب الجاهلي .
وفي 11 سبتمبر حضرت برنامج بعنوان
( إن من البيان لسحرا ) للأديب عبدالرزاق كسار وتحدث فيها عن ثلاثة محاور
-التقديم والتأخير ، الحقيقة والمجاز اختصاص معنى معين بمفردة لها أكثر من معنى ..وسط حضور متفاعل بين الاستماع والسؤال والحوار الشيق اللطيف مما أضاف الكثير من الفائدة .
بالإضافة إلى حضوري لأمسية اضطراب حكاية غريب قصة قصيرة لدكتور ماجد السرحي بتاريخ ١٥ سبتمبر و هي عبارة عن قصة قصيرة القاها بضمير المتكلم .. تحكي الغربة و الاضطراب و الحب .. بنص قصصي شعري وبصوته الهادئ وانتهت الأمسية بتفاعل الحضور مابين سؤال وإجابة .
وكان حضورنا لدكتور أحمد القيسي بمقهى عنوان الروقان أمراً مهماً كذلك لنتعرف على الفنّ الأدبي الذي أبدع من خلاله في هذا المجال .
فوضح لنا أن الهايكو العربي ذا الهوية الثقافية بأصوله يابانية المولد لكن استطاع أن يعكس الهوية الثقافية العربية
وأشار القيسي إلى أهمية إضافة عنصر الأدبية للهايكو ، ويُفضل ان يكتبه موزوناً ..
وسيرتب قريباً بعض البرامج والورش في كتابة الهايكو بطريقة صحيحة .
كان الحضور مستمتعاً ومهتماً بهذا الفن مما أثار الحوار حياً بينه وبين حضوره .
سعيدة جداً بهذا التطور الحضاري والذي
كان وليداً لرؤية 2030 في دعم الثقافة والتنمية المعرفية.
مبادرة الشريك الأدبي مقادرة اطلقتها هيئة الأدب والنشر والترجمة لربط الأدب بالحياة اليومية وتحويل المقاهي التي يرتادها المهتمين منصاتاً ثقافية وعلمية وساعد هذا الحراك الكتاب السعودي على النشر محلياً وعالمياً
ويلتزم الشركاء بعمل فعاليات أدبية:
كمناقشات كتب ،واستضافة نوادي قراءة
، “ركن الأديب الصغير” للأطفال كذلك الاحتفالات بأيام ثقافية متعلقة بالأدب
وحتى مساهمات تصميمية مبتكرة مثل فواصل كتب أو أكواب أدبية في المقاهي ..
وفي المقابل لاننسى ورش إرشاد لتطوير الفعاليات الثقافية التي نلاحظ وجودها عبر الإعلانات الموجودة عبر منصة إكس .
ومن هذا المنبر أقدم شكري الخالص للمقاهي الأدبية أسماً اسما …مقهى أدب ،مقهى السبعينات ، بيت الثقافة،
مقهى حاسة ١٢ ، مقهى عنوان الروقان ،
مقهى حبر ، ضاد ، صوفيا ، تشكيل ، شارك كافية
وأدير شكري الآخر للأندية الحية التي شاركت الأدب على نهوضه كصالون نبل الثقافي ، ونادي وسم الثقافي ..
وشكر جزيل أيضاً لرؤية التي اتسعت مداركها وطموحاتها لجعل الثقافة أسلوب حياة وليس نشاطًا نخبويًا فقط .








مقال جميل كتبته الاستاذة عنبر المطيري عن الرياض عاصمة القرار العالمي وعاصمة الثقافة العالمية والابرز فيها المقاهي الأدبية كمنصات مؤثرة، إذ لم تعد مجرد أماكن للقاءات العابرين، بل تحولت إلى فضاءات حقيقية للنقاش، وصناعة الوعي، وتقديم الأصوات الجديدة إلى الجمهور. وفيها يجد الكاتب المبتدئ مساحة للسؤال، والكاتب المتمكن منبراً للتجربة، والجمهور فرصة للتفاعل الحي مع النصوص وصنّاعها.
ويستعرض المقال عدداً من الأمسيات التي عكست ثراء هذا الحراك؛ من أمسية الشاعر والإعلامي محمد عابس، إلى قراءة الدكتورة نجوى الكحلوت في أدب غازي القصيبي، ثم جلسة الراحل عبدالعزيز مشري التي أدارها الأستاذ عبدالله وافية، وصولاً إلى أمسية “نكهة الكلمة” للأديبة عبير العيد، وأمسية “ألف سؤال والجواب قصيدة” للشاعرة فاطمة الشهري التي حظيت بإعجاب واسع لما حملته من نضج شعري وهدوء أدائي.
وتكشف هذه الفعاليات، بما تحمله من تنوّع وثراء، عن حركة ثقافية باتت تتشكل بمزيج من الجهد المؤسسي والرغبة المجتمعية في استعادة وهج الأدب. وهكذا تواصل الرياض ترسيخ مكانتها كعاصمة ثقافية عربية، يتجاور فيها الشعر والسرد والحوار، وتتسع فضاءاتها لإبداع يتشكل كل يوم بلغة جديدة ورؤية أعمق
لقد استطاعت الادبية الاستاذة عنبر المطيري في هذا المقال أن تتجاوز حدود الخبر والتقرير، لتصوغ شهادة أدبية تُشبه في بنائها “مذكرات المثقف الذي يعبر المدن بعينه لا بخطواته في كل فقرة تشعر أن اللغة عندها ليست أداة، بل رفيق طريق وأن المشهد الثقافي ليس مادة للكتابة، بل تجربة تعيشها وتشهد لها.
تميزت الكاتبة بثلاث ملكات نادرة:
1. ملكة الرصد الواعي:
فهي لا تكتب عن الأمسيات كأحداث، بل كـ نبض ثقافي.
2. ملكة التعبير الشاعري:
جملها تتمدد بلياقة، وتشعل في النص دفئاً وبهاءً.
3. ملكة الربط بين التجارب:
جمعت بين مدن الشعر، ومقاهي الأدب، وذاكرة الروائيين، ومبادرات المؤسسات، فخرج المقال كرواية قصيرة عن نهضة ثقافية.
ويكفي القارئ أن يشعر بأن الكاتبة تحمل ريشة فنانة، وقلب عاشقة للكتابة، ووعياً نقدياً لا يُفلت التفاصيل لتدرك أنك أمام صوت أدبي ناضج يعرف كيف يحوّل الحضور الثقافي إلى نصّ يليق بالذكريات.
عبدالله بن عبيد اليوبي