حين يختلط العلاج بالترفيه.. “إدمان المشاهير” يهدد مصداقية القطاع الصحي

✍️ نهلة الجمال _ كاتبه سعودية :
مستشفى للصحة النفسية يفتتح وكأنه حفل لعرض الأزياء
بدعوات للمشاهير وعدسات للتصوير!
أي رسالة نوجهها حين يتحوّل علاج الإدمان إلى عرضٍ ترويجي؟
المرض النفسي لا يُعالج تحت الأضواء، ولا يحتاج مؤثرين يتحدثون عن الألم كأنه تجربة فندقية.
هذا استعراض يسيء للطب.. قبل أن يسيء للإنسان.
حين يفتتح مستشفى الإدمان على طريقة “الافتتاحات الفاخرة”.. أي رسالة نوجه للمجتمع؟
في الوقت الذي يُفترض أن تكون فيه المستشفيات النفسية مؤسسات تُبنى على الهدوء والخصوصية، وتستقبل من يعانون بصمت بحثًا عن الأمان والعلاج، قرر أحد المستشفيات أن يفتتح أبوابه بأسلوب “مهرجان للبوتيك الصحي” الفاخر، وسط أضواء الكاميرات، وحضور مشاهير السوشيال ميديا من داخل وخارج المملكة ، وكأننا أمام افتتاح مركز تجميل أو مقهى فاخر او توزيع جوائز اوسكار لعرض الأزياء !
قد يُقال إن الفكرة “خارج المألوف وتفكير خارج الصندوق ” لكن السؤال الأهم: هل هذا هو الصندوق الذي يجب الخروج منه أصلًا؟
هل نعالج المرض النفسي والإدمان بالتجميل والتصوير والفلاشات الباهته والاحتفال بمن كان هم من اهم أسباب المرض النفسي لمتابعينهم بكثرة الهياط والتصوير المخادع للسعادة والثراء ، أم بالاحترام والخصوصية؟
حين تتحول بيئة العلاج النفسي إلى حدث استعراضي، يضيع الخط الفاصل بين التوعية والتسليع. فبدل أن نشجع المجتمع على احترام المرضى النفسيين ونشر ثقافة الدعم بالخصوصية المطلقة ، نرسخ صورة عكسية تشوّه الهدف الإنساني من وجود هذه المراكز والمستشفيات فكيف يثق المريض بمكان يفتتح بالتصوير والبهرجة، وهو يهرب من نظرات الناس أساسا ؟؟
الدعوة للمشاهير لحضور افتتاح مستشفى للصحة النفسية وعلاج الإدمان قد تبدو للبعض خطوة تسويقية “ذكية” لكنها في حقيقتها ضربة قاسية لمفهوم “الخصوصية” و“الهيبة” الطبية. لأن العلاج النفسي لا يحتاج نجوما أمام الكاميرا، بل مختصين خلف الأبواب المغلقة، يصغون بصدق إلى معاناة الناس وحل لمشاكلهم النفسية والجسدية .
هل المقصود بأن متابعين هؤلاء المشاهير هم الفئة المستهدفة لمثل هذه المستشفيات
((فئة المرضى النفسيين والمدمنين )) ؟؟
ام وصلنا لمرحة اللاوعي بمشاعر المرضى
الأثر السلبي لهذه الفكرة لا يتوقف عند المظهر، بل يمتد إلى عمق الوعي المجتمعي. إذ تُرسخ في الأذهان أن الطب النفسي يمكن التعامل معه كبضاعة فاخرة أو تجربة ترفيهية، لا كقضية إنسانية حساسة تمس كرامة الإنسان وصحته النفسية.
لقد ناضل العالم لسنوات طويلة لتصحيح نظرة المجتمع إلى المرض النفسي، ليأتي من “يبتكر” افتتاحًا على طريقة البوتيك والمقهى ، فيعيدنا خطوات إلى الوراء. التوعية لا تعني الاستعراض، والانفتاح لا يعني التعدي على خصوصية الناس ، والحديث عن الصحة النفسية لا يحتاج دعوات مؤثرين بقدر ما يحتاج احترامًا لحدود المهنة.
رسالة بسيطة لكل من يسوّق لمثل هذه الأفكار:
المرض النفسي ليس موضة، والإدمان ليس حدثًا دعائيا.
فكروا قليلًا قبل أن تضعوا الكاميرا في مكان يفترض أن يكون أكثر الأماكن أمانًا وسترًا في حياة الإنسان .



