✍🏻 سمير منصور الفرشوطي :
منذ القدم، كان البخور أكثر من مجرد رائحة طيبة، بل كان رسالة ترحيب، وعلامة احترام، ورمزًا متجذرًا في ثقافة العرب. لم يكن إشعاله تقليدًا عابرًا، بل طقسًا يعكس أصالة البيت وكرم أهله.
كان الضيف إذا دخل مجلسًا، استقبله أهله بالبخور، لا ليطيب ثيابه فقط، بل ليشعره بالمكانة الرفيعة التي يحظى بها. تتصاعد أعمدة الدخان العطرة في الأجواء، حاملة معها رسائل غير منطوقة من المودة والتقدير. والمنازل كانت، ولا تزال، تُطهَّر وتُطيَّب بهذا العبير المميز، تمامًا كما تُطهَّر القلوب بالنوايا الحسنة.
البخور لم يكن مجرد مادة تُحرق، بل كان عنوانًا للهوية. فهو حاضر في المناسبات، في البيوت، في المساجد، وحتى في الذاكرة الجمعية للعرب. وكل رائحة منه تروي حكاية دفء، وقطعة من تراث لا يُنسى.
ولعل أجمل ما في الأمر أن أخلاق العرب – كرمهم، ضيافتهم، ترحابهم – تشبه البخور في طبيعتها. لا تراها، لكنك تشعر بها. تفوح بهدوء، وتترك في القلب أثرًا طيبًا لا يُمحى. كما يطيب البخور المكان، تطيب عادات العرب المجالس، وتعلو بقيمهم فوق كل زمن.
وهكذا يبقى البخور شاهدًا على الأصالة، لا يغيب عن المواقف الكريمة، ولا ينفصل عن سيرة من توارثوا الإكرام جيلاً بعد جيل. هو رائحة الذاكرة، وعنوان الكرم، وسفير المحبة في كل بيت عربي