كتاب الرأي

صوامت وصوائت

        ✍️ مها  الشاعر_ كاتبة سعودية :

مابين الصوامت والصوائت يولد علم الأصوات، وعلم الأصوات يندرج تحت مصطلحين ألا وهي الفونتيك والفونولوجيا.
الفونتيك وهو العلم الذي يدرس الأصوات العالمية جميعها، وليس مختصاً بلغة دون غيرها، ويتبع في ذلك دراسة القواسم المشتركة بين جميع اللغات واللهجات، ويدرسها فيزيائياً في جميع أحوالها ، بدراسة المخارج والصفات ومن ثم يحللها مخبرياً، وله أربعة فروع.
بينما يدرس الفونولجيا كل لغة على حدة، متبعاً خصائص محددة تتميز بها كل لغة عن غيرها ، ومن هذه خصائص ؛ الصوامت، والصوائت، وأنصاف العلل “أو ما يعرف بأشباه الصوائت أو الصوامت، وكذلك النبر، والتنغيم، والظواهر الصوتية مثل الإدغام والإبدال وغيرها .
في حين يشير د.أحمد قدور أحد المختصين بعلم اللغة إلى تعريف أكثر وضوحاً للفونولجيا قائلاً؛ “بأنها العلم الذي يختص بدراسة التشكيل الصوتي”.
وقد عرف ابن جني اللغة حيث قال : ” هي مجموعة أصوات يعبر فيها كل قوم عن أغراضهم” .
ويشير في تعريفه هذا إلى إختلاف البناء اللغوي للكلام بإختلاف الأقوام أو المجموعات الإنسانية .
ولعل في هذا تفسير لإضافة سيبويه الفروع اللغوية المستحسنة منها والغير مستحسنة إلى الأصوات المنطوقة المتعارف عليها.
حيث كان تعدد الحروف في منهاجه ٢٩ حرفاً مع إضافة الهمزة، وعند إضافة الفروع المستحسنة أصبحت ٣٥ حرفاً ، وبإضافة الفروع غير المستحسنة بلغت ٤٢ حرفاً.
وفي هذا كان للمسعدي – رحمه الله – قول حين قدم تعريفاً للحروف الفرعية فقال:
“وقد عرف بعض مشايخنا هذه الحروف الفرعية، بأنها حروف غايرت الأصلية، ونشأت عنها بكيفية مختصة بها، فإن كيفيتها لا نظيرَ لها في الحروف الأصلية، وتعريف الحروف الفرعية بما ذكرنا أوْلى من تعريف بعضهم لها؛ حيث قال: هي حروف تردَّدت بين مخرجين، وتولَّدت من حرفين، لأنه يتخلف عنها ألف التفخيم واللام المغلظة، فإنهما ليسا متولدين من حرفين، ولا متردِّدين بين مخرجين كما هو ظاهر”.
“واستعمال هذه الأحرف كان مراده تيسير النطق وتخفيفه، ولقد نزَل القرآن ببعض هذه الأحرف؛ تيسيرًا على بعض القبائل التي اشتَهر فيها النطق بهذه الأحرف دون الأصلية.”

وقد عزى ابن جني منشأ اللغة أو الأصوات اللغوية إلى ثلاثة مذاهب ..
” (1) مذهب الوحي والتوقيف: وهو مذهب من يرى أن اللغة وضعت عن طريق الوحي والتوقيف،وعن ذلك يقول ابن جني
“إنني إذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة وجدت فيها من الحكمة والدقة والإرهاف والرقة؛ ما يملك على جانب الفكر، حتى يكاد يطمح به أمام غلوة السحر، فمن ذلك ما نبه عليه أصحابنا رحمهم الله، ومنه ما حذوته على أمثلتهم، فعرفت بتتابعه وانقياده وبعد مراميه وآماده صحة ما وفقوا لتقديمه منه، ولطف ما أسعدوا به، وفرق لهم عنه، وانضاف إلى ذلك وارد الأخبار المأثورة بأنها من عند الله جل وعز، فقوى في نفسى اعتقاد كونها توفيقاً من الله سبحانه، وأنها وحي” ..
ولكن كان لديه بعض من اللا يقين في هذا المذهب ، معللاً ذلك بأن اللغة تحمل عدداً من المتناقضات وهذا مما لا يصح إضافته للحق سبحانه، وقد وافقه في هذا الرأي عدد من علماء اللغة.
(2) مذهب التواضع والاصطلاح: وهو أن اللغة قد وضعت نتيجة تواضع بين أهلها، أو أن اللغة اصطلاح وتواضع يتم بين أفراد المجتمع، ومن ثم ليس لألفاظ اللغة أية علاقة بمسمياتها.
وعن هذا المذهب يقول ابن جني: “وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدًا، فيحتاجوا إلى الإنابة عن الأشياء المعلومات، فيضعوا لكل واحد منها سمة ولفظاً، إذا ذكر عرف به ما مسماه؛ ليمتاز من غيره، وليغنى بذكره عن إحضاره إلى مرآة العين”.
وتابعت هذه النظرية في العصور الحديثة استمراريتها، حيث لاقت قبولاً عند الأب الروحي للدراسات اللغوية الحديثة فردينان دوسوسير.
٣- مذهب المحاكاة: وملخص هذه النظرية أن اللغة نشأت عن محاكاة الإنسان لأصوات الطبيعة المحيطة به، وأقدم الأقوال حول هذه النظرية كانت للفراهيدي وتلميذه سيبويه، فقد
نقل لنا ابن جني في الخصائص ما نصه:” قال الخليل: كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومداً، فقالوا: صر، وتوهموا في صوت البازي تقطيعاً، فقالوا: صرصر، وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على (فعلان): إنها تأتي للاضطراب والحركة؛ نحو: النقزان والغليان، فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال” .
وقبل ابن جني بهذا الرأي ورجحـه بقوله: “وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات؛ كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي، ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد، وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل”.
وقد تبنى العالم (وتني) ما ذهب إليه ابن جني بحرفيته تقريباً، إذ رأى” أن اللغة نشأت عن طريق محاكاة الإنسان للأصوات الطبيعية التي كان يسمعها حوله”.

ولقد كان للخليل بن أحمد الفراهيدي السبق في وضع أسس وركائز علم الأصوات، وكان يعد الرائد الأول فيه ، بحيث وضع وبسط وشرح كل ما يتعلق بهذا العلم -رحمه الله-، حيث لم يزد عليه أحد ممن أتى بعده إلا باليسير ، وهذا بلا شك لا يلغي أو يقلل من دورهم في تطور مستوى الإلمام باللغة، ومداخلها ومخارجها، وأصواتها وصفاتها .
فقد حدد مخارج الأصوات وصفاتها، وكان أول من وضع الترتيب الصوتي بناءً على مخارج الحروف من أسفل الحلق إلى أدنى الشفتين ، مخالفاً بذلك النظامين الألف باء والأبجدية الهجائية التي وجدت قبله ، وقد كان أول من استخدم مصطلح الحرف للدلالة على الصوت اللغوي.
ومن ثم تبعه في ذلك تلميذه سيبويه، وقد أضاف سيبويه إلى اللغة وبالتحديد علم الأصوات الكثير من الشروحات والتبسيط والأسس اللغوية في كتابه “سيبويه والأصوات” ، والذي يختص بعلم الصوت من خلال تناول اللهجات واللغات والأصوات والظواهر الصوتية بكافة أنواعها من إدغام، وإبدال،وإعلال،ورفع،وروم وغيرها من الظواهر الصوتية.
ولقد كان لكتابه هذا بالغ الأثر والفضل على من تبعه من علماء اللغة والأصوات، فقد مزج فيه ما بين النحو والصرف والأصوات.
“وقد أسس فيه سيبويه لمفاهيم صوتية مهمة مثل تقسيم الأصوات إلى مهموسة ومجهورة وشديدة ورخوة،كما حدد خمسة عشر مخرجًا للأصوات العربية، وقام بترتيب الحروف وفقًا لهذه المخارج، وتحدث عن ظواهر صوتية مثل الإدغام، والإمالة، والإعلال، والإبدال”.

ولا نغفل دور العلوم الأخرى والتي ألقت بظلالها على علم الأصوات مما ساهم في تطوره ، ومن أهمها علم القراءات والتجويد ، وبرز منه العديد من الأسماء ومن أبرزها ابن مجاهد، ومن ثم الداني والقرطبي، ومن أهم الأسماء التي تركت بصمتها في علم الأصوات من أصحاب هذه العلوم هما ابن مكي وابن الجرزي.
أما الدور الآخر فكان يُعزى إلى علماء الطب والفلسفة والموسيقى، وكان من أبرز الفلاسفة الذين اهتموا بعلم الصوت وأضاف إليه هو الكندي ، ومن ثم تبعه الفارابي في كتابه “الموسيقى الكبير”، وكذلك ابن رشد .
وكما برز ابن مكي من بين علماء القراءات والتجويد، فلقد برز ابن سينا من بين علماء الطب والفلسفة في كتابه “أسباب حدوث الحروف”، والذي درس فيه التشريح الطبي لجهاز النطق بكل تفاصيله، ودرس الأصوات اللغوية بناءً على سيرها من خلال الجهاز النطقي.
ومن ثم كان لابن جني دوراً قد لا يقل عن الفراهيدي في عصره، حتى وقد أطلق عليه العديد من علماء اللغة من العربية وغيرهم رائد علم الأصوات ، فقد كان العلامة الفارقة والنقلة الأكبر في علم الأصوات، وكان أول من استخدم مصطلح الصوت بدلاً عن الحرف، وأفرد مباحث في دراسة الصوتيات ومخارج الأصوات كلاً على حدة، وأبحر في تفصيله الدقيق عن السمات المميزة لكل صوت مخرجاً وصفةً، في كتابه “سر صناعة الإعراب”، وقد أشاد به العديد من علماء اللغة قديماً وحديثاً ، كأكثر الكتب التراثية موسوعيةً ونفعاً وتدقيقاً في علم الأصوات.
وفي تعريف ابن جني للصوت قال: ” هو ﻋﺮض ﳜﺮج ﻣﻦ اﻟﻨَﻔَﺲ ﻣﺴﺘﻄﻴﻼً ﻣﺘﺼﻼً، ﺣﱴ ﻳﻌﺮض ﻟﻪ اﳊﻠﻖ واﻟﻔﻢ واﻟﺸﻔﺘﲔ، ﻣﻘﺎﻃﻊ ﺗﺜﻨﻴﺔ ﻋﻦ اﻣﺘﺪادﻩ واﺳﺘﻄﺎﻟﺘﻪ، ﻓﻴﺴﻤﻰ اﳌﻘﻄﻊ أﻳﻨﻤﺎ ﻋﺮض ﻟﻪ ﺣﺮﻓﺎً، وﳛﺪث اﻟﺼﻮت اﻟﻠﻐﻮي” .
ومن هنا قد يكون المدخل إلى تقسيم الأحرف إلى صوامت وصوائت .
فالصوامت هي صوت الهواء الذي يخرج من الرئتين والذي يعترضه عارض خلال مروره بالقناة النطقية في أي جزء من أجزاءها، وهي ٢٦ حرفاً وتشمل حروف الأبجدية جميعها باستثناء حروف المد ” الواو والياء، وقيل الألف” ، فهي تصنف مابين أشباه صوامت “أنصاف العلل” ، أو أشباه صوائت “حروف لين” ، بناءً على حركة ما قبلها .
وأما الصوائت فهي الهواء الذي يخرج من الرئتين دون أن يعترضه عارض خلال مروره بالقناة النطقية في أي جزء من أجزاءها، وهي ثلاث حركات ، الفتحة والضمة والكسرة ، أو ما تعرف بـ “أبعاض الحروف” ، وهي التي تضيف المدى الصوتي للحروف ، أو ما يعرف بالتشكيل الصوتي مثل ماذكر د.أحمد قدور ، بالإضافة إلى الظواهر الصوتية.

وفي أثناء بحثي عن ظاهرة الصوامت والصوائت اللغوية، كنت أتساءل لما لم نجد بعض هذا في مناهجنا الدراسية، وفيما يبدو بأن هذا الأمر يسري على جميع المقررات في الدول العربية وليس لدينا فقط ، فنحن لم نأخذ من معرفة علوم اللغة العربية سوى قشورها، من نحو وأدب وصرف ، فهناك كم هائل من المعلومات عن الأصوات اللغوية ، ومن الآداب والمباحث اللغوية، لو كان أُدرِج جزء يسير منها في المناهج والمقررات الدراسية، أكاد أجزم بأنها ستضفي الكثير من الرونق لدراسة اللغة العربية، هذا البحر الكامن الدر ، ولغرقنا جميعاً في بهاء هذه اللغة ونقاءها وعبقريتها ، ولم نتشدق بمعرفة غيرها من اللغات، ولما أعددناه فخراً ومنجزاً لا مثيل له ، فكلما قويت علاقة الفرد بلغته الأم، كلما قويت ثقافته وازدهرت، وشكلت حضارة متفردة .

“إن هناك علاقة وطيدة بين الثقافة واللغة، فلا ثقافة بلا لغة، ولا لغة بلا ثقافة، فاللغة والثقافة مرتبطان معاً لا تنفك أحدها عن الأخرى. تحتفظ اللغة بالتراث الثقافي جيلاً بعد جيل، وتجعل للمعارف والأفكار البشرية قيمها الاجتماعية بسبب استخدام المجتمع للغة”.
د. معراج أحمد معراج الندوي.

*حروف صامتة*
وكما عُرض فيما سبق ذكره بأن معظم الأصوات اللغوية التي ننطقها ما هي إلا صوامت!..
فلولا أن تم المزج ما بينها ومابين أبعاض الحروف القليلة، والتي لا تتجاوز عددها ثلاثة صوائت لما كان لهذه اللغة أياً من المعاني القويمة، وأياً من الألفاظ السليمة، ولا المباني الراسخة لغوياً، شفهياً وسمعياً.
وهذا مما يعيدنا إلى التفكير في حال أسقطنا هذا المثال على أحاديثنا وخطاباتنا، وأفكارنا المنطوقة منها وغير المنطوقة.
فكم كان هناك من الحروف الصامتة في أحاديثنا دون وعي منا ، ولو عدنا لمسالك دراسة الفونولجيا لوجدنا ضالتنا، في النبر والتنغيم، فكم من حديث محب لم يفهم، أغضب هذا أم عتب، وكم من نصيحة نقية، لم يدرك صدقها من غيّها ، وكم من الأحاسيس المبهمة، ضاعت مابين الحقيقة والزيف، وكم وكم وكم ، من الأحاديث الصادقة، والمشاعر النبيلة ، والنوايا الحسنة، ضاعت ما بين هاتين الخاصيتين على وجه التحديد، النبر والتنغيم؟! ..
فاللغة ليست مجرد كلمات جوفاء ناقصة المعنى والمبنى ، ولا خطابات رنانة تفتقر إلى قواعد اللغة السليمة، لا تكاد تبلغ حناجر قائلها فكيف بمنابره، فكل ذلك لحن بشكل أو بآخر أفقد المعاني صدقها وحقيقتها ، وألبسها لباساً يخل بما وراء مقاصدها وسلوكها، وجاوز مداركها ومسالكها بما لا يتناسق مع نظمها وسياقها، فماذا لو طُعِّمت أحاديثنا العامية ببعض آداب الفصحى وخصائصها .. لما تجّشمنا عناء كل هذا السفر.

ولعل من طرائف اجتهاد السلف بتعلم أصول اللغة والخطابة كما يصح فيها.. اختم بهذا القول للخليفة عبدالملك بن مروان -رحمه الله – حين قال له أحدهم؛
لقد عجل إليك الشيب يا أمير المؤمنين!..
فقال: شيَّبني ارتقاء المنابر، وتوقُّع اللحن.

[email protected]

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى