كتاب الرأي

حوارٌ خلف الضلوع ** **” في حديثٍ ودّي مع ذاتي “

*✍🏻 مـنـيرا العـتـيبـي /كـاتبـة سعـوديـة*

هناك، في صمت الروح، حيث لا يجرؤ أحد على الدخول، يُولد حديثٌ ودّي و صادق بيني وبين ذاتي.
هو حديثٌ لا يحتاج إلى كلمات، لكنه يحمل ثقل كلّ الجراح، وصدى كلّ الانتصارات التي لم تُروى.

حين تنكسر الأصوات من حولي، و لا يبقى إلا صوتي أنا.
في لحظة هدوء نادرة، وسط ضجيج الحياة ومشاكسات الأيام، جلستُ وحدي أمام النافذة
لا هاتف يرنّ، لا إشعارات تلمع، لا وجوه ترمقني بتوقّعات أو أحكام.
كنتُ أنا فقط… أنا بصوتين.

سألت ذاتي:
– لماذا كل هذا التعب؟
لماذا كلّما ظننتُ أنني اقتربتُ من الطمأنينة، تتغير الخريطة من تحت قدمي؟
أجابتني بثقةٍ لم أتوقعها:
– لأنك لا تُبنين بالراحة. لأنك تتشكلين حين تُختبرين.
لأنك مثل الذهب، لا يُعرف نقاؤك إلا حين تمرّين على النار.

صمتُّ لحظات ….
عادت تساؤلاتي تتسلل إلى وجداني
– لكنني أتعب و أضعف أحيانًا وأفكر في الاستسلام.
ابتسمت ذاتي، وقالت:
– الاستسلام خيار، لكن ليس لكِ. لأنكِ جرّبته مرة، وكرهتِ مرارته. لأنكِ تعرفين في أعماقكِ أن النهوض حتى من تحت الركام يُشبهكِ أكثر من الانكسار.

كان الحديث معها يشبه التنهيدة الطويلة بعد بكاءٍ مكتوم.
قلتُ لها وأنا أفتّش في قلبي:
– ولماذا أشعر أحيانًا أن لا أحد يفهمني؟
لماذ أنا وحدي في ساحة الحرب؟
ردّت بصوتٍ خافت لكنه حازم:
– لأنكِ لم تنتبهي بعد…أن أقوى المحاربات لا يحتجن شهودًا. معركتكِ ليست استعراضًا، بل نضجٌ داخلي. وما تمرّين به… ليس عزلة، بل لقاء مع ذاتك.

كانت كأنها تُربّت على قلبي بكلماتها.
همستُ لها:
– كيف أثق أن الغد سيكون أفضل؟
قالت:
– لأنكِ عشتِ أمسًا كنتِ تظنينه نهايتكِ، وها أنتِ اليوم هنا، تنبضين، تسألين، وتكتبين. الثقة ليست في الغد، بل فيكِ.

تأملتُ في عينيّ المنعكستين على زجاج النافذة. لم أعد أرى الضعف ذاته، بل صلابة تشبه الجبال.
قلت لها بابتسامة دافئة:
– شكرًا لأنكِ أنا …شكراً لأنكِ كنتِ هنا.
قالت لي:
– أنا دائمًا هنا، فقط تعلّمي أن تُصغي إلي في حديث ودّي

وفي ختام هذا الحوار الداخلي، أجدني مضطرة لأبوح بما استقر في أعماق روحي من صدقٍ وإيمان:
يبقى الحوار مع الذات أقوى أدواتنا للصمود
و يبقى التأمل العميق طريقنا لاكتشاف القوة التي تسكن داخلنا، فنجد في ذاتنا السلام والإلهام لنمضي قدمًا بثبات وأمل

أحيانًا، كلّ ما نحتاجه ليس صديقًا أو معجزة…
بل لحظة صدق مع أنفسنا.
ففي داخل كلٍّ منّا “ذات” تعرف الطريق و تملك مفاتيح الإجابات، لكنها لا تتحدث إلا إذا جلسنا بصمتٍ نمنحها فيه الإذن.
فلا تهرِب من ذاتك، بل اقترب منها أكثر.
ففي أحلك ساعاتك، ستجدها الحليف الأقرب،
الذي لا يخذلك، والوفِيّ الوحيد بين الجميع.

 للتواصل مع الكاتبة : [email protected]

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى