لقطة بألف معنى … ورسالة بعمق التاريخ : قبضة ولي العهد التي أربكت بايدن

✍️ نعيمة معروف _ كاتبة جزائرية :
في صيف عام 2022، شهدت مدينة جدة واحدة من أكثر اللحظات السياسية رمزية في العقد الأخير ، عندما وصل الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى المملكة العربية السعودية في زيارة رسمية كان العالم يترقبها بدقة .. لم تكن هذه الزيارة حدثاً عابراً ، بل محطة مفصلية أعادت رسم ملامح العلاقة بين الرياض وواشنطن في مرحلة تتغير فيها موازين القوى الإقليمية والدولية ٠
جاءت الزيارة في توقيت بالغ الحساسية إذ كان العالم يواجه أزمة طاقة خانقة بسبب الحرب الروسية–الأوكرانية فيما كانت واشنطن تبحث عن إعادة ترتيب علاقاتها في المنطقة لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية المتصاعدة وفي خضم هذه الظروف ، أدركت الإدارة الأمريكية أن المملكة تبقى الرقم الصعب في معادلة الاستقرار الإقليمي وأنه لا يمكن تجاوزها أو التعامل معها بعقلية الماضي ٠
كان الرئيس بايدن الذي اتخذ في السابق مواقف حادة تجاه المملكة خلال حملته الانتخابية يدرك جيداً أن زيارته هذه تختلف عن أي زيارة تقليدية : فهو قادم إلى بلدٍ قوي يملك قراره السيادي ويقوده زعيم شاب أعاد رسم مكانته في العالم بثقة وجرأة ٠
وما إن توقفت السيارة الرئاسية أمام قصر السلام حتى ترقبت عدسات العالم لحظة الاستقبال خرج ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بخطوات واثقة ووقفة شامخة تجمع بين الهيبة والهدوء ليستقبل الرئيس بايدن بطريقة غير تقليدية : تحية القبضة المضمومة بدلاً من المصافحة المعتادة ، هذه اللقطة العابرة لم تكن مجرد تفصيل بروتوكولي ، بل كانت رسالة سياسية عميقة أُرسلت من دون كلمات ٠
اختار الأمير محمد هذه التحية بعناية لتكون ترجمة عملية لموقف واضح أن السعودية اليوم ليست دولة تنتظر التعليمات من أحد ، بل شريك متكافئ له كلمتهُ وقرارهُ ومن خلال وقفته الثابتة ونظرتهِ الحادة الواثقة ولغة جسده المتزنة ، ، وجّه إلى بايدن رسالة واضحة مفادها .. أهلاً بك في المملكة ، ولكن على أسس جديدة قائمة على الاحترام المتبادل والندية لا على إملاءات الماضي ٠
كانت النظرات بينهما تحمل الكثير من المعاني الصامتة ، نظرة الأمير لم تكن نظرة مجاملة ، بل نظرة قائد يعرف مكانتهِ ويدرك حجم تأثير بلاده ويعرف أن العالم يأتي إليه اليوم محتاجاً إلى التعاون لا مُملياً للشروط تلك النظرة كانت أبلغ من أي تصريح سياسي وأعمق من أي خطاب رسمي ٠
أما طريقة مدّ الأمير لقبضته المضمومة فكانت هادئة محسوبة بدقة خالية من الانفعال أو التردد ، لم يندفع إلى المصافحة كما قد يفعل تابع يسعى لنيل الرضا ، بل ترك بايدن هو من يبادر ليؤكد أن ميزان العلاقة قد تغيّر .. وأن السعودية تستقبل شركاء لا أوصياء كانت القبضة المضمومة بمثابة إعلان غير معلن عن استقلال القرار السعودي ورسمٍ جديد لمعادلة القوة بين البلدين ٠
المشهد لم يقتصر على التحية فحسب .. بل كان لوحة سياسية متكاملة خلف الأمير محمد بن سلمان وقف رجال الحرس في انضباط لافت والسيارات الرئاسية مصطفة في نظام دقيق ، فيما عكست ملامحهُ ثقة القائد وهدوء من يملك زمام المبادرة . كان كل تفصيل في تلك اللحظة مدروساً ليقول للعالم … السعودية تغيّرت وزمن الاملاءات قد انتهى ٠
الزيارة نفسها حملت ملفات استراتيجية كبرى من أبرزها التعاون في مجال الطاقة وتعزيز الأمن الإقليمي ومناقشة مسار السلام في المنطقة ، إضافة إلى ملفات اقتصادية وتنموية مشتركة وقد استغل الأمير محمد هذه الزيارة لإعادة ضبط قواعد الشراكة مع واشنطن ليس على أساس المصالح الأمريكية فقط ، بل على قاعدة المصالح المشتركة التي تحفظ مكانة المملكة ودورها القيادي ٠
لقد أثبت ولي العهد في هذه الزيارة أنه ليس مجرد مستضيف لرئيس دولة كبرى ، بل قائد يرسم ملامح سياسة بلاده بثقة ويدير علاقاته مع القوى العظمى بندّية وحنكة سياسية نادرة … لم يحتاج إلى خطابات رنانة ليُظهر مكانته ، بل ترك للموقف والنظرات والتحية أن تقوم بالدور ٠
إن تلك القبضة المضمومة كانت بمثابة عنوان لمرحلة جديدة من العلاقات السعودية–الأمريكية مرحلة تبتعد عن منطق التبعية وتتجه نحو شراكة ناضجة تُبنى على الاحترام المتبادل والمصالح المتبادلة ، الأمير محمد بن سلمان بذكائه السياسي وبحضور شخصيته القوية أوصل رسائل عميقة إلى بايدن والعالم بأسره دون أن ينطق بكلمة واحدة ٠
وفي الختام يمكن القول إن تلك الزيارة لم تكن انتصاراً دبلوماسياً فحسب ،، بل لحظة فارقة جسدت صورة المملكة الجديدة تحت قيادة الأمير محمد بن سلمان واثقة وقوية ومستقلة .. تعرف متى تصمت ليُصغي العالم ومتى تتكلم فتُسمَع كلمتها … لقد كانت التحية الصامتة أبلغ من ألف خطاب والوقفة الواثقة أعمق من أي مفاوضات ، لأنها حملت جوهر الرسالة السعودية الحديثة الاحترام يُكتسب بالقوة والسيادة … لا بالتبعية ٠٠٠
للتواصل : [email protected]



