ضُروب الكَلِم
✍️ مها الشاعر _ كاتبة سعودية :
” يُقسم البيانيون ضروب الكلام إلى ثلاثة :
المساواة: حين يكون المبنى مُفصلاً على قدر المعنى .
والإطناب: حين يضفي المعنى على نفسه أردية فضفاضة.
والإيجاز: حين يختار المعنى الكبير الوعاء الصغير .
ولكل ضرْبٍ من هذه الضروب مواضعه من الحس، حيث يكون ملائماً، متلائماً، إلا أن يخرج الإيجاز عن الوضوح إلى الإبهام، فيصبح عيباً من عيوب الكلام، أو يخرج الإطناب إلى حشو ولغو من القول.
ويبدو أنّ العرب كانوا أميل في أحاديثهم وخُطبهم ورسائلهم إلى الإيجاز، وأنصار هذا المذهب يقولون : ” يكفيك من القلادة ما أحاط بالعُنُق” ..”
ظهير الشعراني .
إن من الإمعان في النظر إلى إتقان أساليب الخطاب، أو الحديث بمجمله، لا ينحصر فقط في إنتقاء المفردة السليمة، ولا الصياغة الفريدة، أو النية الصحيحة، والمقاصد الحسنة.
بل من المهم النظر في حال المتلقي ،وكذلك المتحدِّث ، ولعل أختص بذلك من له شأن في عامة الناس أو خاصتهم، ممن تؤخذ الكلمة منه وعنه مآخذ شتّى، وأضعاف مضاعفة مما يؤخذ عن غيره، وإن كان غيره ذا صيت وسمت حسن مثله في الناس ، وهذه من نعم الله على العبد إن أحسن التعامل معها .
ومن قال إن إختلاف الرأي لا يفسد من الود قضية؟.. بل قضايا كثيرة مع الأسف و في مواضع كثيرة ، وعلى وجه الخصوص ما اختلف فيها حال المتحدث عن المتلقي على كل النواحي.
وفي هذا أورِد ما ذكره د.عبدالله الغذامي بما نصه؛
” فإننا نلاحظ أن اختلاف الرأي لا يفسد الود فحسب بل إنه يكفر ويقتل ويفرق، والتاريخ في قديمه وحديثه يشهد ذلك وكما هي الكلمة القديمة: إن الحرب أولها الكلام.”
فالكلمة سلاح لا حدّ له ولا نِدّ، ولعل هناك من الأمور الكثيرة والتي تم الإشارة إلى اتِّقاء شرها، شرعاً وأدباً واجتماعاً، رغم سلامة ظاهرها وباطنها، لا لسوء أمرها ولكن لأن لها تبعات جمّة، منها ما يحمد عقباه ومنها ما هو دون ذلك، ولعلي أُضيف هنا ولا أزيد عما ورد، من وحي تجربتي المتواضعة في الحياة؛ إن من أكثر الأمور التي ينبغي على المرء اتقاء شرها، هي الكلمة التي تُقال لمقاصد حسنة ولكنها قد قيلت في غير موضعها، إما بإختلاف السياق التي كان ينبغي أن تُقال فيه، أو بإختلاف مكانها وزمانها مما لا يصح فيه بالزج بها في حينه، فمثل هذه السقطات مؤذية ومؤلمة للطرفين بالقدر ذاته.
فما بين متلقّي ينظر إلى الآخر بعين المحب أو المعجب أو الصديق والقريب، أو حتى من عامة ممن يمرون به، ولكنه ممن يرى فيه من المحامد ما لم يراه في غيره، ويأمل منه بالمحاسن ما لم يأمل به عن غيره، وما بين الآخر الذي يرى فيه ما يراه منه كذلك ، ولكن التقت هنا نيتان حسنتان في موضع ظرفٍ سيء، فأحدثت صداماً في النفوس، لا يُحمد خيره من غيره .
أن تصطدم نيتان فاسدتان أمر لا ضرر منه ولا نفع من الخوض فيه، أن تصطدم نية حسنة مع فاسدة، فهناك حق وباطل وكلاهما بيّن، ولكن أن يحدث الصدام ما بين نيتان حسنة، فهذا والله من المؤسف لحاضر المشهد، فكيف بمن هم أهله وواقعه، فكلاهما صاحب حق، وكلاهما يقف حيث ينبغي أن يكون، ولكل منهما زاويته في النظر، والمطلة على منظر مؤذي للآخر دون قصد منهما، فمن الأسلم هنا هو من يختار أن يترفع عن الحدث، ويرتجي الإحسان ممن لا يُجبى خيره عن غيره.
وبَعْضُ الكَلامِ كَـبَـعْـضِ الشَجَر
جَمِيلُ القوَامِ شَحِيحُ الثَمَر ..
وخَيْرُ الكَلامِ قَلِيلُ الحرُوفِ
كَثِيرُ القُطوفِ بَلِـيـغُ الأثَـر ..
*مثقال كلمة*
على نقيض المعنى اللغوي الدارج لكلمة مثقال والتي تعني وزن أو مقدار، وهي وحدة وتستخدم بشكل تقليدي في قياس الذهب والمعادن الثمينة، فلرب كلمةٍ سهلة، ليّنة،خفيفة المبنى والمعنى، نطقتها أنت بحسن نية، ولم ترد أن تطرق بها مقاصد سيئة، ولكنها وافقت سوء ظرف لدى الآخر وليس سوء نية ، فأوقعت بثقلها عليه، وأثارت في النفوس ما أثارت من شقاق ونفور .. وقد تصل إلى البغضاء والعداء في أحيان أخرى، فتخيّروا من الأزمنة والأمكنة والأحوال ما يليق بحال الطرفين، فليس تخيّر الكَلِم وحده من يؤدي بالغرض.
وأقول هنا؛ ما بين متحدث ومتلقي ، أجزلوا المقاصد ، وأحسنوا المآخذ، واجتنبوا المظالم.
واختم في ذلك بقول لقمان الحكيم :
“إن من الكلام ما هو أشد من الحجر، وأنفذ من وخز الإبر، وأمر من الصبر، وأحر من الجمر، وإن من القلوب مزارع فازرع فيها الكلمة الطيبة، فإن لم تنبت كلها ينبت بعضها”.
للتواصل مع الكاتبة:
[email protected]



