كتاب الرأي

صورة في المرآة

         ✍️ منيرة بن عوض الله الحربي :

حين كانت صغيرة، كانت تظن أن أمها امرأة خارقة.
كانت تراها تنهض قبل الجميع، وتنام بعد أن يناموا جميعًا.
يدها لا تكاد تهدأ، وقلبها يتسع لكل شيء: لبكاء الصغار، لقلق الكبار، لاحتياجات البيت، ولأوجاع لا تُرى.
تسائلت الطفلة في نفسها: كيف لا تتعب؟
ولماذا تنسى نفسها دائمًا؟
كانت تراقب أمها تُهمل راحتها، تؤجل فرحتها، تبتلع دموعها بابتسامة مطمئنة.
وكان في داخل الطفلة شيءٌ يرفض هذا:
لماذا كل هذا العطاء؟
أليس لها قلبٌ يحب أن يُحتضن؟
أليس من حقها أن ترتاح يومًا؟
سألتها ذات يوم :
– أمي، لما لا ترتاحين قليلا؟
كانت تسألها وهي تراها تقف عند الموقد، تعبث بالماء المغلي، وتهدهد أخاها الصغير على خاصرتها كأنما في يدين اثنتين قلبٌ واحد.
لم تكن الأم تردّ…
تبسمت فقط، ثم مضت .

كانت الطفلة ترى في أمها جدارًا لا يهتز،
نهرًا لا ينضب،
شمسًا لا تغيب.
دارت عجلة الزمان
ومضت الأيام… وكبرت الطفلة.
وذات يوم وجدت نفسها تُعدّ وجبة متأخرة وهي متعبة، فقط لأن طفلها الصغير جائع.
تسهر قرب سريره وحرارته ترتفع، وتهدئ من روعه بقلبٍ يكاد ينفطر.
تؤجل احتياجاتها، تؤثر أبناءها، تبكي دون أن تُظهر دموعها.
تُنهك، لكنها تبتسم.
تُرهق، لكنها لا تتوقف.

وفي لحظة صمت، رأت انعكاس وجهها في مرآة المطبخ — كان وجه أمها.

فهمت حينها، أن ما كانت تظنه تضحيةً مرهقة، كان فطرة.
وما كانت تنكره، كان غريزةً مقدسة.
غريزة الأمومة.

ليست ضعفًا، بل قمة القوة.
ليست نكرانًا للذات، بل ذوبان المحبة في كل لحظة.
أدركت أن أمها لم تكن تُهمل نفسها، بل كانت تزرع حبًا في كل تفصيلة.
واليوم، هي تسير على نفس الطريق، بنفس الخطى — وإن اختلف الزمان والمكان.
أحبك امي .

 

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى