رسائلٌ تربَويّة معَ العودَةِ التّعليميّة

✍️ د. عبدالرحمن بن شلوه الشاماني :
الحمدُ للهِ الَّذي علَّمَ بالقَلَمِ، علَّمَ الإنسانَ ما لَمْ يَعلَمْ، أَشْكُرُهُ سُبحانَهُ على ما أَسْدَى وأَنْعَمَ، وأَعْطَى وأَكْرَمَ، وأُصَلِّي وأُسَلِّمُ على خيرِ خَلْقِهِ بُعِثَ في خيرِ الأُمَمِ، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ ومَنْ اهتَدَى بهُداهُ وعَمِلَ بما عَلِمَ.
وبَعْدُ: فأَشْرَفُ ما يَطْلُبُهُ الطَّالِبُونَ ويُحصّلهُ الرَّاغِبُونَ، وتَقْوَى بهِ الأُمَمُ، وتَسْمُو بهِ الهِمَمُ، وتُرْفَعُ بهِ الدَّرَجَاتُ، وتُبْنَى بهِ الأَمْجَادُ والحَضَارَاتُ، وأَجَلُّ المطَالِبِ، وأَعْظَمُ المكَاسِبِ: هو العِلْمُ النَّافِعُ، وأَشْرَفُ العُلُومِ وأَوْلاها ما كانَ بهِ مَعْرِفَةُ اللهِ تَعالى ومَعْرِفَةُ دِينِهِ وهَدْيِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في العَقَائِدِ والأَخْلاقِ والأَحْكَامِ.
ومَعَ بدايةِ عامٍ دِرَاسِيٍّ جَدِيدٍ يَحسنُ التَّذْكِيرُ بِبَعْضِ الرَّسَائِلِ والتّوجِيهاتِ التربَويَّة ومِنهَا:
أولاً: أَنْ نَسْتَشْعِرَ فَضْلَ العِلْمِ وأَهْلِهِ، وهذا أَمْرٌ لا يَخْفَى على كُلِّ مُسْلِمٍ، فَقَدْ فَضَّلَ اللهُ تَعَالَى أَهْلَ العِلْمِ فَقالَ: ﴿ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ﴾ وقال سبحانه: ﴿ يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ ﴾, وشَرَفُ العِلْمِ بِشَرَفِ المعْلُومِ، وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَانَةَ العِلْمِ وفَضْلَ أَهْلِهِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الملَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ العِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ العِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، حَتَّى الحِيتَانُ فِي الماءِ، وَإِنَّ فَضْلَ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا ولا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) رواه التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ الألْبَانِيُّ.
ثانيا: مِمَّا يُذَكَّرُ بهِ كُلُّ مُعَلِّمٍ ومُعَلِّمَةٍ، وكُلُّ مَسْؤُولٍ في التَّعْلِيمِ والتَّرْبِيَةِ أَنْ يَسْتَشْعِرُوا عِظَمَ المسْؤُولِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ والوَطَنِيَّةِ وثِقْلَ الأَمَانَةِ، وشَرَفَ الرِّسَالَةِ وعِظَمَ المكَانَةِ، ولْيَعْلَمُوا أَنَّ أَبْنَاءَ المسْلِمِينَ أَمَانَةٌ في أَعْنَاقِهِمْ، ووَدَائِعُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَصَلاحُهُمْ صَلاحٌ لِلأَجْيَالِ، وحَدِيثُهُمْ وسُلُوكُهُمْ مُؤَثِّرٌ في كُلِّ حالٍ، هُمْ قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ يُوصِلُونَ الخَيْرَ والنَّفْعَ لِلمُتَعَلِّمِينَ، ويَغْرِسُونَ القِيَمَ والأَخْلاقَ في قُلُوبِ أَبْنَاءِ المسْلِمِينَ، ولْيَسْتَشْعِرُوا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) رواه مُسْلِمٌ. وحَرِيٌّ بهِمُ الإِخْلَاصُ والصِّدْقُ في التَّرْبِيَةِ والتَّعْلِيمِ، والاهتدَاءُ والاقْتدَاءُ بخيرِ معلِّمٍ عليهِ أفضلُ الصَّلاةِ والتَّسليمِ, وهَنِيئًا لَهُمُ الشَّرَفُ والأَجْرُ العَظِيمُ، فمَنْ عَلَّمَ عِلْمًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بهِ، ولْيُدْرِكُوا أَنَّ التَّعْلِيمَ لا يَنْحَصِرُ في مَعْلُومَةٍ تُلْقَى، أوْ مَنْهَجٍ يُنْهَى، بَلْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وأَوْسَعُ، فَهُوَ تَرْبِيَةٌ وقُدْوَةٌ وتَضْحِيَةٌ تُنْتِجُ جِيلًا مُتَعَلِّمًا مُتَرَبِّيًا على القِيَمِ والأَخْلاقِ، مُعْتَزًّا بدِينِهِ، ومُحِبًّا وخَادِمًا لوَطَنِهِ، صَحِيحًا في فِكْرِهِ مُعْتَدِلًا في سُلُوكِهِ، لِيُرَى أَثَرُ ذَلِكَ في الأَخْلاقِ والسُّلُوكِ والتَّصَرُّفَاتِ، وعلى الـمُجْتَمَعِ أَنْ يُدْرِكَ فَضْلَ المعَلِّمِينَ والمعَلِّمَاتِ، فَحَقُّهُمُ التَّقْدِيرُ والاحْتِرَامُ، والـمَحَبَّةُ والإِكْرَامُ، وأَنْ يُنْزَلُوا مَنْزِلَتَهُمْ، ويُعْرَفَ فَضْلُهُمْ ومَكَانَتُهُمْ، ويُرَبَّى الجِيلُ على تَقْدِيرِهِمْ ومَحَبَّتِهِمْ.
ثالثا: مِمَّا يُذَكَّرُ بهِ الطُّلَّابُ والطَّالِبَاتُ: أَنْ يُدْرِكُوا عِظَمَ شَرَفِ العِلْمِ وأَثَرَ الإِخْلَاصِ وصِدْقَ النِّيَّةِ، فَمَا تَعَلَّمُوهُ مِنْ عُلُومٍ نَافِعَةٍ ومَهَارَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ إِنَّمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ في دِينِهِمْ ودُنْيَاهُمْ، وخَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ وأَوْطَانِهِمْ، فَلْيَعْرِفُوا لِلْعِلْمِ قَدْرَهُ، ولْيَظْهَرْ عَلَيْهِمْ أَثَرُهُ، وإنَّ الأُمَّةَ تَنْتَظِرُ مِنْهُمْ عِلْمًا نَافِعًا وعَمَلًا مُبَارَكًا، يَبْنُونَ بهِ ويُصْلِحُونَ، وبهِ إلى الـمَجْدِ يَرْتَقُونَ، فَلْيَحْرِصُوا على الجِدِّ وعَدَمِ الكَسَلِ، ولْيَجْعَلُوا العِلْمَ قَرِينًا بالعَمَلِ، ولْيَعْرِفُوا حَقَّ الـمُجْتَمَعِ وحَقَّ المعَلِّمِ عَلَيْهِمْ، ويَرْعَوْا هذِهِ النِّعْمَةَ في بِلادٍ يَسُودُهَا الأَمْنُ والأَمَانُ، وتَخْدِمُ العِلْمَ وأَهْلَهُ بِحَمْدِ اللهِ وفَضْلِهِ في كُلِّ مَكَانٍ وزَمَانٍ.
رابعا: ممَّا يُذَكَّرُ بهِ المجتَمَع : أَنْ نُدْرِكَ جَمِيعًا أَنَّ مَسْؤُولِيَّةَ التَّعْلِيمِ وَالتَّرْبِيَةِ مَسْؤُولِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ المتَعَلِّمِينَ وَالمعَلِّمِينَ وَالمسْؤُولِينَ وَالآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ وَوَسَائِلِ الإِعْلَامِ عَلَى اخْتِلَافِ أَشْكَالِهَا، فَالمسْؤُولِيَّةُ لَيْسَتْ حِمْلًا عَلَى طَرَفٍ دُونَ الآخَرِ، بَلِ الجَمِيعُ مُكَمِّلٌ لِلآخَرِ فِي كُلِّ عَمَلٍ تَرْبَوِيٍّ وَتَعْلِيمِيٍّ، فَالوَاجِبُ الحِرْصُ وَالمثَابَرَةُ وَالإِصْلَاحُ وَالمتَابَعَةُ، وَإِنَّ البُيُوتَ هِيَ المدْرَسَةُ الأُولَى وَالجَامِعَةُ النَّافِعَةُ، وَهِيَ خَيْرُ مُعِينٍ عَلَى التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ، وَلَهَا أَثَرٌ فِي تَفَوُّقِ المتَعَلِّمِ وَتَهْذِيبِ سُلُوكِهِ وَحُسْنِ أَخْلَاقِهِ، وَإِنَّنَا فِي زَمَنٍ يَحْتَاجُ إِلَى مُجَاهَدَةٍ وَصَبْرٍ فِي التَّرْبِيَةِ وَمُتَابَعَةِ مَصَادِرِ المعْرِفَةِ وَوَسَائِلِ التَّلَقِّي، فَمَا يَتَعَلَّمُهُ الطَّالِبُ مِنْ قِيَمٍ فِي بَيْتِهِ أَوْ مَدْرَسَتِهِ قَدْ يُهْدَمُ بِمَا تُبَثُّهُ الوَسَائِلُ الحَدِيثَةُ مِنْ بَلاءٍ وَفَسَادٍ فِي الفِكْرِ وَالسُّلُوكِ، يُشْغِلُ العُقُولَ وَيُضْعِفُ تَفْكِيرَهَا وَتَلَقِّيَهَا، وَهُنَا تَعْظُمُ المسْؤُولِيَّةُ عَلَى الجَمِيعِ، أَلَا فَلْنَتَعَاوَنْ بِكُلِّ الوَسَائِلِ، فِي إِيجَابِيَّةٍ وَتَفَاؤُلٍ، فَكُلُّنَا شُرَكَاءُ فِي البِنَاءِ، وَغَرْسِ القِيَمِ وَالعَطَاءِ، لِيُحْفَظَ هَذَا الجِيلُ المبَارَكُ، وَلِيَبْقَى مُبَارَكًا عَلَى أَهْلِهِ وَدِينِهِ وَبِلادِهِ.
وفق اللهُ الجميع. وصلّى اللهُ وسلَّم على نبِينَا محمَّد.
للتواصل مع الكاتب: [email protected]



