ضياء عزيز… حين تتحوّل اللوحة إلى مرآة للذاكرة السعودية

عنوان – د. عصام عسيري :
في قلب المشهد التشكيلي السعودي، يطلّ اسم ضياء عزيز ضياء كما تطل نافذة قديمة على مدينة لم تعد كما كانت، لكنها ما زالت تعيش في القلب. فنان وموثّق، رحّال بين الضوء والظل، بين البحر والصحراء، وبين روما وجدة، نسج بخطوطه وألوانه حكاية كاملة عن ملامح الناس والمكان.
طفولة في بيت الأدب… وشغف مبكر باللون:
وُلد ضياء عام 1947 في القاهرة، في بيت يفيض بالأدب والفكر، فوالده هو الأديب والمترجم المعروف عزيز ضياء. كان الجو الثقافي في البيت بمثابة البذرة الأولى التي أنبتت شغفه بالفن. لم تكن طفولته منعزلة عن اللون والفرشاة، بل غُرست في روحه رغبة مبكرة في فهم العالم عبر الرسم، حتى قبل أن يتعلم قواعده الأكاديمية.
روما… حيث صاغ الحرفة على مهل:
حين وصل ضياء إلى أكاديمية الفنون الجميلة في روما أواخر الستينيات، وجد نفسه أمام مدرسة صارمة تعلمه كيف يحاور النسب والضوء وكيف يطوّع المادة. في أروقة الأكاديمية، وبين القاعات المغمورة برائحة زيت الكتان والألوان الزيتية، تشكّلت لديه الصرامة الحِرفية التي سيحملها معه لاحقًا إلى كل لوحة ومنحوتة.
جدة… العودة إلى الذاكرة:
عاد ضياء إلى جدة أوائل السبعينيات، لكنه لم يعد كما غادر. كان محمّلًا بخبرة أوروبية وبعين ترى تفاصيل المكان بعاطفة ووعي. أقام أول معرض له بفندق قصر جدة وافتتح معالي وزير المعارف حسن آل الشيخ، كان يرسم الأسواق الشعبية، صيادي البحر الأحمر، الوجوه السمراء التي تصنع الملح من العرق، والأبواب الخشبية الموشاة بصدأ الزمن. لم يكن يرسم لمجرد التوثيق، بل كان يعيد صياغة الحياة في مشاهد تلمس الروح.
الفن كوثيقة اجتماعية:
في لوحات ضياء، تجد التاريخ يختبئ بين ضربة فرشاة وظل نافذة. لا يكتفي بالمنظر العام، بل يمنحك التفاصيل: كيف تجلس امرأة في فناء بيت قديم، أو كيف يفرش الصياد شباكه عند الغروب. هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يجعل أعماله مرجعًا بصريًا لفترة اجتماعية كانت تتغير بسرعة، قبل أن تذوب في زخم الحداثة.
معارض وبصمات في الفضاء العام:
منذ معرضه الشخصي الأول عام 1969 وحتى معارضه وأعماله في باريس والكويت والقاهرة والمكسيك، ظلّ ضياء يحمل ملامح بلاده معه أينما ذهب. لم يكتف باللوحات المعلّقة على الجدران؛ منحوتاته وجدت طريقها إلى ساحات جدة وبوابة مكة، حيث يراها العابرون يوميًا دون أن يدركوا أنهم يمرون بجانب عمل فني يحكي قصة المدينة.
لغة تشكيلية بين الحرفية والحلم:
يصف ضياء العمل الفني بأنه “لحظة لا تُنسى”، وهو يحقق ذلك عبر مزيج نادر من الحرفية الأكاديمية والخيال الحر. ألوانه ليست مجرد انعكاس للواقع، بل إعادة خلق له، كأنك ترى جدة للمرة الأولى، أو كأنك تتذكرها كما كانت قبل نصف قرن.
تحليل التجربة البصرية، بين البنية الأكاديمية وروح الحكاية:
تلتقي أعمال ضياء عند نقطة دقيقة بين الانضباط الأكاديمي والتقيد الطبيعي الذي اكتسبه في روما، والارتجال الشعوري الذي يفرضه الحنين للمكان. في تكويناته، نلحظ تنظيمًا صارمًا لعناصر اللوحة: توزيع متوازن للأجسام، خطوط منظور واضحة، ومساحات ضوئية محسوبة بدقة. لكن ما أن تقترب، حتى تكتشف أن النظام الصارم مغمور في دفء ضربات الفرشاة، وكأن الفنان يتعمّد أن يترك مساحات من العفوية لتمنح المشهد حياة تتنفس.
في اللون، يجنح إلى لوحات مشبعة بدرجات دافئة – البني المحروق، الأصفر الترابي، والأزرق البحري العميق – وهي ألوان ليست محايدة، بل منخرطة في سرد الحكاية. الضوء عنده ليس إضاءة تقنية فقط، بل كائن درامي يحدد مزاج العمل: في مشهد سوق، يتسلل الضوء من فجوة سقف خشبي ليلامس وجوه الباعة، وفي مشهد بحري، يغمر الأفق ليمنحك إحساس اتساع لا نهائي.
أما النحت، فيتجلى عنده كامتداد للرسم، إذ لا يتعامل مع الكتلة كعنصر هندسي بارد وعضوي حار، بل يحمّلها إحساس الملمس والذاكرة. كتله تنطق بملامح الإنسان والمكان، وكأنها لوحات ثلاثية الأبعاد.
في هذا المزيج، يمكن مقارنته بأسلوب الواقعية الانطباعية لدى بعض الرسامين الإيطاليين في القرن العشرين، لكن مع فارق أساسي: ضياء لا يقتصر على تسجيل لحظة ضوئية، بل يضع في قلب اللوحة سجلًا ثقافيًا، يجعل العمل أقرب إلى وثيقة اجتماعية بقدر ما هو قطعة فنية.
مكانته في الثقافة السعودية:
يُعتبر ضياء من الرعيل الأول الذي وضع اللبنات الأولى لفكرة الفن كجزء من الهوية السعودية. لم يكن الفن بالنسبة له ترفًا، بل ضرورة للحفاظ على الذاكرة الجمعية. هو أشبه بمؤرخ بصري، يسجل ما قد يندثر، ويمنحه حياة أطول من عمره؛ لذا كرّمته العديد من الجهات الحكومية والثقافية وتحتفي بتجاربته، وله جائزة سنوية التي تقام سنويا في فنون الرسم.
خاتمة… ضياء الذي لا يغيب:
ربما تكمن فرادة ضياء في أنه لم يحاول الانفصال عن جذوره ليواكب الموضة الفنية العالمية، بل استخدم أدوات العالم ليحكي قصة المكان الذي ينتمي إليه. في لوحاته، جدة ليست مدينة فقط، بل هي حالة وجدانية، وفي منحوتاته، الرمل والحجر يتحوّلان إلى قصائد صامتة.
هكذا، يظل ضياء عزيز ضياء ضوءًا لا يخفت، وصوتًا تشكيليًا يحاور الزمن بلغته الخاصة.
للاطلاع على مجمل تجارب الفنان وسيرته الذاتي على موقعه الالكتروني
www.diafinearts.com
الصور من زيارة اليوم لمرسم الأستاذ ضياء تنظيم أ. سلوى حجر مديرة نادي سعودي آرت فرع جدة برفقة أعضاء النادي.




