كتاب الرأي

*الحب بيّن .. وكذلك الحقد..*

✍️ مها الشاعر :

والعين تعلم من عيني محدِّثها
إن كان من حزبها أو من أعاديها
عيناك قد دلتا عينيَّ منك على
أشياء لولاهما ما كنت تُبديها

في هذه البيتين والتي شاع تداولها منذ زمن ولا أعرف حقيقةً لمن تنسب، فلقد نسبها الكثير للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، والتي نجد فيهما دلالتين، أولهما.. أن للمحب أمارة وكذلك للضد، أياً يكن الضد، فقد يكون مثلما ورد وصفه في الشطر الثاني بأنه عدو، والعدو لابد من أن يكون أحد إثنان، إما حاسد أو حاقد .. وقد يكون كلاهما معاً، ومن هذا استنبطت عنوان المقال.
وأيضاً لا نغفل عن ذكر بأنه قد لا يكون أحدهما، فقد لا يكون سوى شخص غير محب لك .. لا أكثر من ذلك، فهنا نتحدث عن لا محبة، لا تملك صفة العداء أو الكراهية حتى، وهذا يحصل كثيراً، فهناك من تقابله في مجلس أصدقاء، أو لقاء عابر، ومن ثم تقول: ” ما ارتحت له ” هكذا .. بهذه العبارة العامية التي اعتدنا سماعها، وهذا الصنف غالباً ما يحمل الصفة المذكورة في الأبيات، وعليك أن تتأكد من حقيقة حدسك هذا، فقد يكون صائب تماماً ويجنبك عداوةً ظاهرها المحبة و لكنهاقد تكلفك كثيراً من ” الـ أفا “، وفي بعض الحالات قد لا يكون سوى شعور عابر بسبب موقف أو تصرف غير مقصود من الطرف الآخر، وقد بنيت عليه عدد من الأحكام والتأويلات الغير صحيحة تماماً، وهنا عليك أن تتبيّن عزيزي القارئ قبل الإقدام على فعل غير محمود، قد لا يورِّثك سوى الندامة، وتأسف على فراستك التي لم تحملك على ما صح أعتقاده في ذهنك.. وهيهات هيهات .
وهناك أيضاً من نقول عنه عند أو لقاء “ما تقبلته” أو لم أتقبله شكلاً ومضموناً، بالرغم من إمتلاكه لعدد من الصفات الحميدة وسمت الخُلُق الرفيع، ولكن هذا شعور طبيعي ولا غرابة في ذلك، فليس بالضرورة كل من يملك صفات حسنة، على النفس أن تتقبله، ولكن بالوقت ذاته فأنت لا تحمل تجاهه أي نوايا سيئة أو عدائية، وهذا فطري جداً وقد عرّفه بعض العلماء بكيمياء العلاقات، وقد لا يكون سوى نفور دافعه إختلاف في وجهات نظر أو التوجهات الفكرية أو المجتمعية، أو إختلاف في بعض الصفات والسلوكيات الظاهرة أو الباطنة.

“من أسمى أمارات الحب أن يرجو المحب الخير والنعمة لحبيبه وهو على نأيٍ عنه وخصام، ولأن الإنسان جُبِلَ على طبائع اللؤم، فلا يحب أن ينعمَ من آثر قُربَ غيره على قُربه، ومن استظلَّ بظلالٍ غير ظلالِه واحتمى بغير حِماه؛ ولذلك كان المحب الذي يرجو هناءةَ العيش لمن جفاه -أخلص حُبًّا، وأصفى وَجدًا.”

الحب شعور .. وكذلك الحقد، حائين قد تفصل بينهما نظرة عابرة، كلمة ساقطة سهواً أو عمداً، ردة فعل مفاجئة ومخالفة للمتوقع، وقد تختلف بإختلاف الموقف، إن كان فرح، حزن، نجاح، سقوط وفشل، أو وعكة صحية لا سمح الله، فكما مر علينا في علم الأحياء بأن هناك كواشف للحالة القلوية للمادة مثلاً، و هناك أيضاً كواشف في الطبيعة، قد تكشف لك طبيعة بعض المواد من حولنا كنباتات ومعادن وغيرها، السام والنافع ، والضار منها.
فكذلك ما هذه المواقف البسيطة الآنف ذكرها، إلا كواشف قلّما تُخطئ لكثير مما يحمله الآخر تجاهك، أياً يكن هذا الآخر.
وللتوضيح حديثنا هنا، ليس عن الحب الوجداني بل عن المحبة بشكل عام، والتي يمكن تعريفها كما يلي: ” المحبة هي نوع خاص من أنواع الحب وتدل على الحب اللامحدود واللامشروط.
بخلاف المعنى العام للحب، فإن المحبة لا تمثل الحب البيولوجي بين البشر، بل تدل على الحب المطلق تجاه شخص ما أو فكرة ما أو الله بعيدا عن الجنس أو العاطفية مع محبوب كما يفهم من كلمة “حب”.
المحبة كلمة تستعمل في الفلسفة والدين للدلالة على العلاقة المعطاء الخالصة. ففي الإسلام، المحبة هي العلاقة التي تجمع المؤمنين فيما بينهم ومع البشر. وفي الصوفية، تصف علاقة الصوفي مع خالقه. وفي المسيحية، تدل على درجة حب الله تجاه البشرية كما تدل على الحب الذي بشر به يسوع ودعا الناس لتطبيقه حتى تجاه الأعداء. وهو الحب الذي أطلقه أفلاطون ويعرف بالحب الأفلاطوني.

“الفرق بين الحب والود، هو أن الحب هو ما استقر في القلب، وأما الود فهو ما ظهر في السلوك، فكل ودود محب وليس كل محب ودود” .. د.محمد راتب النابلسي.

وكذلك بعض مما ذكر ابن حزم في طوق الحمامة من علامات الشخص المحب .. وللتذكير مرة أخرى، نتحدث هنا عن المحبة بشكلها العام؛

“ومنها الإقبال بالحديث، فما يكاد يُقبل على سوى محبوبه ولو تعمد غير ذلك، وإن التكلف ليستبين لمن يرمُقه فيه، والإنصات لحديثه إذا حدَّث، واستغرابُ كل ما يأتي به وكأنه عينُ المحال، وخَرق العادات، وتصديقه وإن كذب، وموافقتُه وإن ظلم، والشهادة له وإن جار، واتِّباعُه كيف سلك وأيَّ وجه من وجوه القول تناول.
ومنها الإسراعُ بالسيرِ نحو المكان الذي يكون فيه، والتعمُّد للقعود بقُربه والدنو منه، واطِّراح الأشغال الموجبة للزوال عنه، والاستهانةُ بِكل خَطْب جليل داعٍ إلى مفارقته، والتباطؤ في الشيء عند القيام عنه”.
ولعل من أبرز سمات المحب، على سبيل المثال.. “رد الغيبة” كما يقول أحبتنا في أرض الكنانة، أي حفظ غيابك وذلك بالذب عن عرضك أثناء غيابك في حال أساء لك أحدهم، وهذه والله أمارة لا تحتمل إلا أن تؤخذ على محمل واحد لا ثانٍ له ولا ثالث، فمن يردّ في غيبتك فأنت بلغت لديه ما بلغت من المكانة والتقدير، وإياك إياك التفريط بشخص كهذا، بل وعضّ عليه بالنواجذ، بعيداً عن مسمى العلاقة.
فهذا أمر لا يقوم به إلا من سمت أخلاقه، وعلت مرؤته، ونقت سريرته، وأضف لذلك من نبغت شجاعته، فهناك من يحمل كل هذه الصفات السابقة ولكن قد تخذله شجاعته.
ولعل لنا عودة لذكر بعض سمات المحب من جانب علمي، حتى لا يشوبه لغط أو سقط.
فكما أن للمحب علامات وأمارات، كذلك للحاقد والحاسد “كفانا الله وإياكم شر من نعرف ومن لم نعرف منهم”؛ ولعل من أشهر المقولات والتي تختصر كثيراً من هذه العلامات بعبارتين والتي اتفق معها جملةً وتفصيلاً ؛ ” الحاسد يفضحه فرحك، والحاقد يفضحه نجاحك”. ومثلما سبق ذكره في مقولة النابلسي، بأن ليس كل محب بالضرورة ودود، ولكن كل ودود فهو لا محالة محب، وعليه أقول ليس شرطاً بأن يكون كل حاسد حاقد، ولكن ثق تماماً بأن كل حاقد هو حاسد.
ولعل ما يصادق على رأيي هذا، بعض ما سنقتبس من دراسة “تصنيفات الحسد / Varieties of ” Envy ،Sara Protasi
والتي عرّفت فيها الحسد بدايةً كما يلي: “الحسد هو رد فعل منفر تجاه شعور بالنقص تجاه شخص مشابه، فيما يتعلق بخير ذي صلة بشعور هوية الحاسد.
بينما قسمت أنواع الحسد إلى أربع : الحسد المنافس، الخامل، العدواني والحاقد. “وهذا ما يؤكد ما ذكرته سابقاً”.
وبالنظر للجانب الفلسفي فقد استدلت بمقولة لـ أرسطو : “يُفرّق أرسطو بين عاطفتين مترابطتين، لكنهما متعارضتان في جانب مهم: الفثونوس والزيلوس. يُعرّف كلاهما بأنه ألمٌ نشعر به عند رؤية حظوظ الآخرين الطيبة، تجاه أشخاصٍ يُشبهوننا. لكن في الفثونوس، نشعر بهذا الألم “ليس بفكرة الحصول على شيءٍ لأنفسنا، بل لأن الآخرين يمتلكونه”، بينما في الزلوس، لا نشعر بالألم “لأن الآخرين يمتلكون هذه الخيرات، بل لأننا لم نستطيع أن نحصل عليها بأنفسنا” . يُقال إن الفثونوس مُذمومٌ أخلاقيًا، ويشعر به الأشرار، بينما يُقال إن الزلوس محمود أخلاقيًا، ويشعر به الصالحون.””

وقد يتشابه بما يُعرف لدينا في اللغة العربية “أن تغبط فلاناً بسبب حصوله على أمر جيد ولكن في الوقت ذاته لا تتمنى زوال النعمة عنه”.
واستشهد على ذلك بحديث مروي عن الحبيب صلوات ربي عليه، عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا حسدَ إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا، فسلَّطه على هلَكَتِه في الحق، ورجل آتاه الله حكمةً، فهو يقضي بها ويعلِّمُها))؛ متفق عليه.
وفي راوية أخرى عن ابن عمر؛ “لا حسد إلا في اثنتين” يعني أن الحسد المباح (الغبطة) لا يكون إلا في حالتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار و رجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه في الحق.
وبالنظر إلى الجانب النفسي كما نقلت : “يفتقر علماء النفس إلى هذه الرؤية المعيارية، حيث يفسرون التوجه نحو المقارنة التي دافعها الحسد بشكل مختلف تمامًا. وتُظهِر الدراسات في مجال المقارنة الاجتماعية أن الطريقة التي نتفاعل بها مع المقارنة الاجتماعية المعلوماتية تعتمد على إدراكنا للسيطرة على النتيجة. إذا اعتقدنا أننا لا نملك السيطرة على أدائنا الضعيف وأن فرص التحسين ضئيلة، فإننا نتصرف بعدوانية تجاه من يتفوقون علينا، ونشعر بالسوء تجاه أنفسنا. ويعتبر علماء النفس أن إدراك السيطرة هو المحدد الحاسم لتحديد التوجه، وما إذا كنا نشعر بحسد حميد أو المحمود (أي انها عاطفة تشبه الحسد ولكنها ليست خبيثة) أو حسد خبيث.
(ميسيلي وكاستيلفرانشي، 2007، سميث وكيم، 2007، فان دي فين وآخرون، 2009، 2012). و هذا مفهوم وصفي بحت، وشرط أساسي يتساوى مع عامل التشابه وعامل الصلة بالذات، وهو مستقل عن فكرة التركيز.
و كلا النموذجين، الفلسفي والنفسي، صحيحان، لكنهما غير كافيين بمفردهما: فنحن بحاجة إلى كليهما.”

وبالعودة مرة أخرى لأبرز علامات المحب من جانب علمي كذلك، لعلنا نقتبس من كتاب ماكسويل أساس العلاقات، وهنا يسرد لنا بعض الصفات للعلاقات الصحية:
1. الاحترام : عندما يتعلق الأمر بالعلاقات يبدأ كل شيء بالاحترام، بهدف إضافة القيمة للآخرين. يقول المؤلف “ليس جيبلن” في أحد كتبه العديدة عن العلاقات الإنسانية: “لن تستطيع أن تجعل الآخر يشعر بأهميته في حضرتك إذا كنت تعتقد في قرارة نفسك أنه شخص تافه”.
٢. التجارب المشتركة:
يستطيع الاحترام أن يضع الأساس لعلاقة جيدة، ولكنه لا يكفي وحده. فأنت لا تستطيع أن تبني علاقة جيدة مع شخص لا تعرفه. فالأمر يحتاج لتجارب مشتركة على مر الزمن. وهذا ليس دائماً شيئاً من السهل الوصول إليه.
٣. الثقة:عندما تحترم الناس وتقضي معهم الوقت الكافي لتنمية تجارب مشتركة، سيكون لديك الفرصة لتنمية الثقة والثقة أمر ضروري لكل العلاقات الجيدة. يقول الشاعر الأسكتلندي جورج ماكدونالد: أن تحظى بالثقة لهو إطراء أعظم بكثير من أن تحظى بالحب”. فبدون الثقة، لن تستطيع أبداً أن تحافظ على أي علاقة من أي نوع.
٤. التبادل: إن العلاقات الشخصية من جانب واحد لا تدوم طويلاً. فإذا كان أحد الأشخاص يعطي دائماً والآخر يتلقى دائماً ، فسوف تنتهي العلاقة بينهما في نهاية الأمر بشكل حتمي. هذا ينطبق على كل أنواع العلاقات.
٥- الاستمتاع المتبادل: عندما تنمو العلاقات وتصبح راسخة وقوية، يبدأ الأشخاص في الاستمتاع بقربهم من بعضهم البعض. وربما يصل الأمر إلى أن يحول وجودهم مع بعضهم البعض المهام الصعبة وغير السارة إلى تجارب إيجابية.

وهذه الصفات أو الأدوات ليس بالضرورة من يملكها شخص محب، بل قد يكون فقط شخص مُحترِم لحدود هذه العلاقة أياً كان مسماها، وكذلك ليس كل من لا يملك أحدها أو بعضها غير محب، ولكن من يملك عكس هذه الصفات للتعامل مع شخص ما ، فهذا بلا أدنى شك شخص حاقد، فهو لا يتمنى زوال النعمة عن مالكها فقط، بل ويجتهد في ذلك.

ابوس خشمه وانشده ويش لونه
ومحبتي له ما وراها طمايع
واقدّره واشاركه في حزونه
واثره عدو لي خبيث الطبايع
( فرقا وفرقا ،، فرّق الله ضعونه
الحقد من قلبه على الكبد مايع ).

لـ شاعر الوطن شافاه الله وأمد في عمره بالصحة والعافية خلف بن هذال.

حديث العين:
ولعل السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو؛ كيف استطاع شاعرنا أن يتوصل لحقيقة من أمامه بالرغم من أن ظاهرها المحبة؟! وهنا أقول ولا أجزم ولكن بالكاد بأن ابن هذال حفظه الله قد أنصت لحديث العين جيداً، فحديث العين لمن يتقن قراءتها من أكثر الأحاديث بلاغةً وصدقاً، وإن كانت جميع الجوارح تُحدِّثك بغير ذلك.
وبالنسبة لي أيضاً إن خاتلتني العين بغير حديثها وهذا قلّما يحدث معي، فقلة جداً من يمهر في إخفاء ذلك مهما بلغ من الحنكة والفطنة، فإن حدث فهذا والله من شرار الخلق وأكثرها لؤماً ومكراً.
وعليك حين ذلك أن تلتمس ما حدّثك قلبك به في نبرة الصوت، فهذه بصمة لا يمكن أن تكذب بل وأكثر وضوحاً لتحديد هوية من أمامك أكثر حتى من بصمة ابهامه، فكثيرٌ جداً ما كانت سبباً لعزوفي عن لقاء بعض الأشخاص أو حضور بعض الإجتماعات، لشفرة قد لمستها في نبرة أحدهم، فحذاري عزيزي القارئ بأن تخاتلك النظرة والنبرة أيضاً ، للحاقد وكذلك .. للمحب.

 للتواصل مع الكاتبة [email protected]

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى