كتاب الرأي

حين تُعمى العيون عن العيوب… وتُبصر فقط أخطاء الآخرين

✍🏻 سلوى بنت خلفان المقبالية:

في عالمٍ تتقاطع فيه الأنانية مع الرغبة في التصالح الذاتي، نجد ظاهرة تكاد تكون عامة: كثير من الناس لا ينظرون في المرآة ليروا عيوبهم، بل يمسحونها بما يشبه الحُجُب النفسية، ويركّزون بدلاً من ذلك على أخطاء الآخرين، وكأنهم يعيشون في دائرة من البراءة المطلقة، وكل من حولهم هم المسؤولون عن الألم والخلل.

كلما أخطأ أحدهم في حقنا، يتقن فنّ التجاهل والنسيان. لا يُكترث بما تركه فينا من وجع، ولا يعترف بما بدر منه. ولكن في اللحظة التي نزل فيها عن درجات الصواب، تتحول أخطاؤنا إلى مسرح للاتهام، تُسلّط عليها الأضواء، وتُجمّع حولها الأدلة، ويُرفع الستار ليبدأ تمثيل دور الضحية.

وليس التمثيل هنا مجرد أداء عابر، بل هو آلية دفاعية تُخفي خلفها ضعفاً عن مواجهة الذات، ورفضاً لتحمّل المسؤولية. حين يتقمّص أحدهم دور الضحية، فإنه يمنح لنفسه شرعية العقوبة، ويُريح ضميره بسلطةٍ زائفة، وكأن ما فعله بنا لا يُحسب، وما فعلناه بهم هو الخطيئة الكبرى.

كم من الأشخاص أساؤوا إلينا، ثم تظاهروا بأن شيئاً لم يكن؟ لا يطلبون السماح، ولا يشرحون الأسباب، ولا حتى يتوقفون للحظة ليروا إن كانت آثارهم ما زالت تنزف فينا. يُعيدون ترتيب التاريخ في ذاكرتهم لصالحهم، يحذفون ما يُدينهم، ويُبرزون ما يُديننا فقط.

أما إذا تحدّثنا عن خطئهم، أو طالَبنا بحقنا في التصحيح، فإننا نُتهم بالتحسس الزائد، وبأننا لا ننسى، وبأننا نُضخّم الأمور. وكم هو مُرّ هذا الاتهام، حين نكون نحن من حمل الألم بصمت، واحتفظنا بالإحترام رغم الجرح.

الوعي الحقيقي يبدأ حين نجرؤ على مراجعة أنفسنا. أن نقول: نعم، أخطأنا هنا. نعم، لم نحسن التصرف هناك. هذا الاعتراف لا يهدمنا، بل يُرمّم ما تَكسر فينا، ويُعيد بناء العلاقة بيننا وبين الآخرين، وبيننا وبين ضمائرنا.

في النهاية، لا أحد منزّه عن الزلل، ولكن الإنسان العادل هو من يرى خطأه كما يرى خطأ غيره، ويتعامل مع الاثنين بروح إنسانية واحدة. فلتكن أعيننا أكثر إنصافاً، وقلوبنا أكثر شجاعة… لأن التغيير لا يبدأ حين يُحاسَب الآخرون، بل حين نُحاسب أنفسنا أولاً.

 

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى