كتاب الرأي

ذاكرة لا تنام

✍🏻 فايل المطاعني:

المقدمة:

هل هي الذاكرة هدية أم عبء؟
هل في طيّات النسيان سلامٌ حقيقي، أم هو خدرٌ مؤقت لا يقي من عودة الحقيقة لتنهشنا؟
في عالم الإنسان، حيث تتصارع الذكريات والمشاعر، قد يكون النسيان نعمة تحفظنا من ألمنا، أو نقمة تعيدنا إلى نقطة البداية… الجرح المفتوح.
في هذه القصة، نرافق “خالد” في رحلته المرة بين النسيان والتذكر، حيث تكشف له ذاكرته وجهها الحقيقي… قاسيًا لكنه لا يرحم.

استفاق خالد على صوت الممرضة، ناعمة ولكن تحمل في نبرتها الحذر:
– سيد خالد، هل تسمعني؟

فتح عينيه ببطء، وكأن النوم لا يزال ثقيلًا على جفونه.
نظر حوله، لم يتعرف على المكان. جدران باهتة، ضوء يتراقص في السقف، نافذة تطل على فراغ بلا عنوان.

رفع يده بارتباك نحو رأسه المضمّد، وسأل بصوتٍ خافتٍ:
– أين أنا؟

أجابت الممرضة بهدوء:
– في المستشفى. تعرضت لحادث، وأنت الآن في مرحلة التعافي… لكن ذاكرتك فقدت جزءًا منها، وهذا أمرٌ شائع.

أراد أن يسأل أكثر، لكن الكلمات فرّت من بين شفتيه، فظل يحدق في السقف كمن يبحث عن تذكرة مرور إلى ماضيه المفقود.

كانت ذاكرته صفحة بيضاء، لا توقيع عليها، لا وجوه، ولا أصوات.

كلمة واحدة علقت في رأسه… “نسيان”.
بدت له كطوق نجاة وسط بحرٍ من الضياع… لكنه لم يدرك أن النسيان لا يمنح النجاة، بل يخفي الغرق مؤقتًا.

مرت الأيام ببطء قاتل، كل شيء كان مجهولاً، سوى الألم الخفي في الأعماق.

وفي مساء شاحب، دخلت عليه امرأة ترتدي السواد، تقف عند الباب كأنها بين عالمين، لا ترغب بالدخول، ولا تجرؤ على الرحيل.

قالت بصوتٍ متقطع:
– خالد… ألا تعرفني؟

هز رأسه، لم يجدها في ذاكرته.

تابعت، والدموع تخنق صوتها:
– كنتُ زوجتك… قبل أن تنساني… أو ربما… قبل أن تختار النسيان بنفسك.

خرجت من الغرفة بسرعة، تاركة وراءها صدىً ثقيلاً من الحزن، وأوراق ماضي تتهدد بالانهيار.

بدأت الذكريات تتسرب ببطء… همسات الماضي، خيباته، صور متناثرة… شجارات طفيفة نمت مع الوقت لتصبح جبالًا من الألم.

ثم تذكّر كل شيء دفعة واحدة… خيانتها، الرحيل، الوحدة القاتلة.

تمنى لو بقي تائهًا في ضباب النسيان… تمنى لو لم تستيقظ ذاكرته من جديد.

وفي تلك الليلة، كتب:

> “لم يكن النسيان هزيمة، بل كان جدارًا بيني وبين الألم. أردت التذكّر، فوجدتني غارقًا في ما تمنيت نسيانه.”

وفي صباح جديد، نهض من سريره وكأنه ارتدى معطف الحقيقة.

مرّ بجانب الممرضة، ابتسم لأول مرة منذ وقت طويل، وقال بهدوء:
– أنا خالد… وأتذكر كل شيء الآن.
ولأول مرة… لا أشعر بالحزن… بل بالتحرر.

الخاتمة:

هكذا تعلم خالد أن الذاكرة لا تنام، لكنها قد تنسى أن توقظنا أحيانًا رحمةً بنا.
عرف أن النسيان ليس ضعفًا، بل هو نظام دفاع داخلي تضعه النفس لتحمي نفسها، وتعطيها مهلة للشفاء.
وفي تلك اللحظة، لم يعد يبحث عن إجابة للسؤال القديم:

“هل النسيان نعمة أم نقمة؟”

بل اكتفى بالسلام… وسكنه.

 للتواصل مع الكاتب : [email protected]

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى