كتاب الرأي

أستغفر الله عني وعن خويي

✍🏻 إبراهيم النعمي:

استوقفتني عبارة جميلة ومعبرة تقول: “أستغفر الله عني وعن خويي”.

عبارة قصيرة لكنها تختزل في طياتها أسمى معاني الأخوة والصداقة الحقيقية. إنها دعاءٌ لا يقتصر على النفس، بل يشمل الصاحب، الصديق، الرفيق. مناجاة صادقة نابعة من قلب يُقدّر الوفاء ويؤمن بأن الصداقة ليست مجرد علاقة عابرة، بل نعمة توهب لمن يستحقها.

الصداقة الحقيقية اليوم أصبحت نادرة. ليست تلك المبنية على المصالح، ولا على ثقافات سطحية أو مجاملات وقتية، بل صداقة تُبنى على الصدق، والإخلاص، والمحبة في الله، ولله. هي جوهرة ثمينة يجب أن نتمسك بها ونحافظ عليها، لأن الأصدقاء الأوفياء عملة نادرة في هذا الزمن المتقلب.

وقدوتنا في ذلك هو سيدنا محمد ﷺ، حين قال الله عز وجل في حقه مع صاحبه في الغار:
﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾
تلك هي الصداقة الحقيقية، المحبة الخالصة، والموقف الصادق في لحظة الشدة.

ومن أروع الهدايا التي قد تهبها لك الحياة: صديقٌ وفيّ، يُشعرك بالأمان، ويخفف عنك الهموم، ويُذكّرك بالله، ويدعو لك، ويستغفر لك.

وقد جاء في الصحيح من حديث أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال:

كان بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما محاورة، فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عنه مغاضباً، فتبعَه أبو بكر يطلب منه الاستغفار، فلم يفعل، حتى أغلق الباب في وجهه.

فأقبل أبو بكر إلى رسول الله ﷺ، فلما رآه رسول الله قال: “أما صاحبكم هذا فقد غامر”.

ثم جاء عمر فسلّم وجلس، وأخبر النبي ﷺ بالذي كان، فغضب عليه الصلاة والسلام، وجعل أبو بكر يقول:
“والله يا رسول الله، لأنا كنت أظلم”.

فقال ﷺ:
“هل أنتم تاركون لي صاحبي؟ إني قلت: يا أيها الناس، إني رسول الله إليكم جميعاً، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت”.

انظر كيف بلغ حب النبي ﷺ لصاحبه، وحرص أبي بكر على استرضاء عمر واستغفاره، بل وسارع إلى رسول الله ﷺ كأنه يخشى أن يُكتب عليه شيء في صحيفته.

أما في هذا الزمن، فكم من أخٍ لا يحب أخاه؟ وكم من جار لا يحترم جاره؟ وكم من صداقة تقطعت لأسباب تافهة؟!
لقد أصبحت الصداقة الحقيقية عملة نادرة، لكنها لا تزال موجودة… في قلب من يعرف قيمة “الخوي”.

اللهم استغفر لي ولخويي، ولمن أحببناهم فيك، ووفقنا لصداقةٍ ترضيك عنّا.

 للتواصل مع الكاتب : [email protected]

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. جميلة فعلًا، تختصر عمق العلاقة الصادقة بين القلوب المتآلفة. “أستغفر الله عني وعن خويي” ليست مجرد دعوة، بل ولاء، ومشاركة في الدعاء كما في الهمّ والفرح.
    إنها تذكير بأن من نحبّهم يسكنون دعاءنا، تمامًا كما يسكنون تفاصيلنا.
    عبارة تبعث الطمأنينة: لست وحدك، فهناك من يذكرك حتى في لحظات الاستغفار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى