كتاب الرأي

لو كنتُ صاحب القرار والصلاحية

✍️د. عصام بن عبدالقادر الرحالي – أكاديمي وكاتب رأي :

لو كنتُ صاحب القرار والصلاحية، لبدأتُ بسؤال بسيط يتجاهله الكثيرون: لماذا أصبح في كل شارع يتجاوز العشرات من صالونات حلاقة، وثلاث وأكثر وزيادة من البقالات، وبوفيهات متلاصقة لا يفصل بينها إلا جدار؟

لقد فاض الأمر وانتشر فتح المحلات بشكل عشوائي غير مدروس. يكفي أن تمشي في أي حي لترى التخصص نفسه يتكرر على مسافات متقاربة، وكأن السوق لا يتسع لفكرة غير هذه. صالونات الحلاقة تتزاحم، والبوفيهات تتناسل، ومحطات الوقود والخدمات البترولية تتقابل على جانبي الطريق، والبقالات تتجاور حتى فقد بعضها معنى اسمه.

**فأين التنافسية؟** التنافسية الحقيقية أن يتميز المحل بخدمته وسعره وفكرته. أما ما نراه فهو تكدس يبتلع بعضه بعضاً. حين يتشابه كل شيء، يصبح السعر هو السلاح الوحيد، ثم يتحول إلى حرب خاسرة تُنهك الجميع والاقتصاد ..

**وأين الجودة؟** المحل الذي يعاني من قلة الزبائن لا يملك رفاهية الاستثمار في التدريب والنظافة والتطوير. فيهبط المستوى، ويدفع المستهلك الثمن خدمة متواضعة وتجربة لا تُنسى بسوئها.

**وأين النجاح والاستمرارية والاستدامة ؟** كم محلاً فُتح بحماس وأُغلق بعد ايام وأسابيع و أشهر؟ خلف كل لافتة مغلقة صاحب مشروع صرف مدخراته، وربما اقترض، ثم وجد نفسه محاصراً بسوق مشبع.

وليس الأمر في حقيقته مسألة تحصيل أموال، من فتح سجلات وإيجارات ورخص وتأشيرات. فهذه كلها أرقام تدخل في الحساب وتُسجَّل في الدفاتر. القضية الأكبر تكمن في الإغلاق والخسائر والأقفال التي تُعلَّق على أبواب كثير من المحلات، بعضها قبل أن يستقر المحل على قدميه، وبعضها قبل أن يعرفه الزبائن أصلاً. كل قفل على باب محل يعني رأس مال تبخّر، وعقد إيجار لا يزال يُسدَّد، وعمالة استُقدمت ثم تعطلت، وأسرة تحمّلت ديناً. هذه خسارة شخصية، وهي أيضاً هدر لموارد الاقتصاد الوطني.

لو كنتُ صاحب القرار، لفعلتُ ما يلي:

**أولاً،** وضعتُ دراسات جدوى وخرائط توزيع للأنشطة التجارية على مستوى الأحياء، تحدد الكثافة المناسبة لكل نشاط، فلا يُرخّص لصالون جديد في شارع تشبّع به.

**ثانياً،** ربطتُ التراخيص بمعايير الجودة والتأهيل، لا بمجرد سداد الرسوم واستيفاء الأوراق.

**ثالثاً،** وجّهتُ الشباب وأصحاب المشاريع إلى فرص ناقصة فعلاً في السوق، وقدّمتُ لهم الحوافز والإرشاد بدل تركهم يقلّدون ما يرونه حولهم.

**رابعاً،** شجعتُ التنوع والابتكار، فالسوق الصحي هو الذي تتعدد فيه الأفكار لا الذي تتكرر فيه نسخة واحدة.

إن تنظيم السوق ليس تضييقاً على الناس في أرزاقهم، بل هو حماية لهم من أنفسهم أولاً. فالتاجر الذي يُحسن اختيار موقعه ونشاطه ينجح ويستمر، والمستهلك الذي يجد الجودة والتنوع يرتاح ويثق، والاقتصاد الذي يُدار بالتخطيط لا بالصدفة ينمو بثبات.

فلنتوقف عن عدّ المحلات المفتوحة، ولنبدأ بإحصاء المغلقة منها وأسبابها. فهناك يبدأ الإصلاح الحقيقي.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى