لقاء عابر مع رجل مجهول!

✍️عيسى المزمومي – كاتب سعودي :
لا أعرف اسمه، ولا أذكر أنني سألته عنه. بعض الناس يمرون في حياتنا حاملين أسماءهم، وبعضهم يمرون حاملين أثرهم. وما أكثر الذين تُمحى أسماؤهم من الذاكرة، بينما تبقى كلماتهم حيّة، كأنها نُقشت في القلب قبل أن تُقال على اللسان!
كان ذلك في صباح هادئ، حين كانت المدينة تستيقظ على مهل، وتفتح أبوابها للرزق كما تفتح الأم ذراعيها لطفلها العائد من غياب. لم يكن في المكان ما يلفت النظر؛ مقاعد متفرقة، ووجوه تمضي مسرعة، وكل امرئ يحمل همّه كأنه لا يرى سواه. غير أن رجلًا مسنًّا، جلس غير بعيد عني، كان كافيًا وحده ليغيّر معنى ذلك الصباح.
لم يكن يملك من مظاهر الثراء شيئًا، لكن ملامحه كانت توحي بأنه عاش من الحياة ما يكفي ليعرف أن قيمة الإنسان ليست فيما يملكه، بل فيما يبقى منه بعد أن يفرغ العمر من أيامه. كان وجهه يشبه كتابًا عتيقًا؛ تجاعيده سطور، ونظراته هوامش، وصمته فصل كامل لم يكتبه أحد.
تبادلنا حديثًا بدأ عابرًا، كما تبدأ معظم الحكايات التي لا نتوقع لها البقاء. غير أنني ما لبثت أن شعرت بأنني لا أجلس إلى رجل فحسب، بل إلى زمن كامل اختصر نفسه في إنسان واحد. كان يتحدث بطمأنينة من لا يريد أن يقنع أحدًا، وإنما يروي ما رآه بعينيه، وما اختبره بقلبه.
قال لي، دون أن يقصد الوعظ، إن المدن تتغير أسرع من البشر، لكن الأخلاق إذا تغيّرت، فلن تستطيع مدينة بأكملها أن تعيدها إلى ما كانت عليه. توقفت عند عبارته طويلًا، لا لأنها جديدة، بل لأنها خرجت من فم رجل جرّب الحياة أكثر مما قرأ عنها.
أدركت يومها أن الخبرة ليست عدد السنوات التي يعبرها الإنسان، وإنما مقدار ما يبقى في روحه من صفاء بعد كل تلك السنوات. فكم من شاب شاخ قلبه قبل أوانه، وكم من شيخ بقيت روحه فتية، لأنها لم تتلوث بضجيج الدنيا!
راح يحدثني عن الأزمنة التي كان الناس فيها يعرف بعضهم بعضًا دون حاجة إلى مواعيد، ويتفقد الجار جاره قبل أن يسأل عن نفسه، ويشعر المرء بأن له مكانًا في قلوب الآخرين، لا في هواتفهم. لم يكن يهاجم الحاضر، ولم يكن يقدّس الماضي، لكنه كان يفرّق بين تطور الوسائل وتراجع المعاني.
قال إن الأشياء أصبحت أسرع، أما الإنسان فلم يصبح بالضرورة أسعد. كانت كلمات قليلة، لكنها بدت لي كأنها مرآة أرى فيها كثيرًا من ملامح حياتنا المعاصرة. نحن نختصر المسافات، لكننا نطيل الغربة بين القلوب. نتقن إرسال الرسائل، ونعجز أحيانًا عن إيصال المودة. نعرف أخبار العالم في لحظة، وقد لا نعرف ما يثقل صدر أقرب الناس إلينا.
لم يكن حديثه حنينًا أعمى إلى الماضي؛ فالحنين وحده لا يبني حاضرًا. لكنه كان يرى أن كل تقدم يفقد الإنسان إنسانيته ليس تقدمًا كاملًا، وأن الحضارة التي ترفع الأبنية وتخفض القيم تحتاج إلى مراجعة قبل أن تحتاج إلى مزيد من الإسمنت.
أخذت أتأمل وجهه وهو يتحدث، فوجدت في قسماته هدوء الذين تصالحوا مع العمر. لم يكن يشتكي، ولم يكن يزعم أن زمانه كان خاليًا من الأخطاء، لكنه كان يؤمن بأن الناس كانوا يمنحون الأخلاق منزلة أعلى مما نفعل اليوم. وكانت تلك الفكرة وحدها كافية لأن تجعلني أعيد النظر في أشياء كثيرة كنت أظنها من المسلّمات.
غادرت ذلك اللقاء وأنا أشعر بأنني لم أجرِ حوارًا مع رجل مجهول فحسب، بل أجريت حوارًا مع نفسي. أدركت أن بعض اللقاءات لا تُقاس بطولها، وإنما بما تتركه في الداخل من يقظة. وأن الإنسان قد يقرأ عشرات الكتب فلا تهزّه كما تهزّه جملة صادقة خرجت من قلب شيخ لم يكتب كتابًا في حياته.
ومنذ ذلك اليوم، كلما ازدحمت الحياة بأصواتها، عدت بذاكرتي إلى ذلك الصباح الهادئ، وإلى الرجل الذي لم أعرف اسمه، لكنني عرفت من خلاله أن الحكمة لا تبحث عن الشهرة، وأن أعظم المعلمين قد يرحلون دون أن تُلتقط لهم صورة، أو يُكتب عنهم خبر، أو يُعلّق على صدورهم وسام. يكفي أنهم يوقظون في قلب عابر سؤالًا، وربما غيّر ذلك السؤال حياة كاملة!
لم يكن ذلك اللقاء نهاية حديث عابر، بل كان بداية حديث طويل بيني وبين نفسي. فمنذ ذلك الصباح، كلما التقيت إنسانًا، لم أعد أسأل نفسي: ماذا يعمل؟ وكم يملك؟ وأين يسكن؟ بل صرت أطرح سؤالًا آخر أكثر عمقًا: ماذا تركت الحياة في قلبه؟!
فبعض الناس يحملون أعمارًا طويلة، لكنهم لا يحملون تجربة تستحق أن تُروى، وبعضهم يقطع مسافة قصيرة في الدنيا، ثم يترك في نفوس من حوله من الحكمة ما يعجز عنه أصحاب الأعمار المديدة.
أيقنت أن الإنسان لا يُعرف بكثرة كلامه، وإنما بما يبقى من أثر كلماته بعد أن يصمت. فالكلمات الصادقة لا تنتهي بانتهاء المجلس، وإنما تبدأ حياتها الحقيقية بعد انفضاضه، حين تستقر في القلب، ثم تنمو فيه كما تنمو البذرة في أرض طيبة. لا يسمع أحد صوتها وهي تنشق، لكنه يرى ثمارها بعد حين.
كان الرجل المجهول يتحدث عن العمل وكأنه عبادة، لا وظيفة تُؤدّى طلبًا للراتب وحده. وكان يرى أن قيمة الإنسان فيما يُتقنه، لا فيما يتباهى به. وما أكثر الذين يجيدون الحديث عن الإنجاز، ويعجزون عن إنجاز ما يتحدثون عنه! أما أصحاب الهمم الصادقة، فإنهم يتركون أعمالهم تتحدث عنهم، ويكتفون من الضجيج بصمت الضمير.
ولعل أكثر ما علق بذاكرتي أنه لم يكن يحمّل الزمن مسؤولية كل الأخطاء، ولم يجعل من الماضي فردوسًا مفقودًا، بل كان يؤمن بأن الخير والشر صاحبا الإنسان في كل عصر. غير أن الإنسان كان يومًا يخجل من الخطأ، أما اليوم فقد صار بعض الناس يتباهون به، ويطلبون له التصفيق. وهنا أدركت أن الخطر الحقيقي ليس في تغيّر الأزمنة، وإنما في اعتياد النفوس على ما كانت تنكره بالأمس.
لقد رأيت في حديثه معنى كنت أقرأه في الكتب دون أن ألمسه على هذا النحو في الواقع؛ وهو أن الحضارة ليست كثرة الأبراج، ولا ازدحام الطرق، ولا سرعة الأجهزة، وإنما هي قدرة الإنسان على أن يبقى إنسانًا مهما تبدّلت أدوات الحياة.
فما قيمة العلم إذا لم يهذّب صاحبه؟ وما قيمة المال إذا لم يفتح بابًا للرحمة، أو يسدّ حاجة محتاج؟ وما قيمة الشهرة إذا صار الإنسان غريبًا عن نفسه؟!
ومضت الأيام، وبقي ذلك اللقاء يرافقني كلما ازدادت الحياة صخبًا. كنت أرى الناس يركضون خلف مواعيدهم، كأن الزمن يطاردهم، فأستحضر صورة رجل لم يكن يبدو أسير العجلة، ومع ذلك بدا لي أكثر الناس إدراكًا لقيمة الوقت. فالوقت عنده لم يكن ساعات تُستهلك، بل عمرًا ينبغي أن يُعاش بصدق، وأن يُملأ بما ينفع؛ لأن الأيام إذا رحلت لم تعد، والأعمار إذا انقضت لم يمنحها الله طبعة ثانية.
وعلّمتني تلك الجلسة أن الحكمة ليست حكرًا على أصحاب المناصب، ولا على من ازدانت أسماؤهم بالألقاب. فقد يفتح الله على قلب رجل بسيط ما لا يفتحه على أصحاب المكتبات العامرة. ولقد صدق من قال إن التجربة كتاب لا يُطبع في المطابع، وإنما تُكتب صفحاته على جبين الأيام.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت أحرص على الإصغاء أكثر من الكلام. فالكلام يمنح الإنسان فرصة ليُظهر ما يعرف، أما الإصغاء فيمنحه فرصة ليعرف ما يجهل. وكم فاتتنا من الحكم لأننا كنا نستعد للرد، ولم نستعد للفهم! ولعل أجمل ما يفعله الإصغاء أنه يعلّم الإنسان التواضع؛ لأن من ظن أنه يعرف كل شيء، أغلق على نفسه باب التعلّم إلى الأبد.
ولست أدري أين مضى ذلك الرجل بعد ذلك اللقاء، ولا إن كان ما يزال يمشي بين الناس، أم سبقنا إلى رحمة الله. لكنني على يقين بأن بعض البشر لا يحتاجون إلى حضور دائم؛ يكفي أنهم مرّوا بنا مرة واحدة، ثم تركوا في القلب مصباحًا لا ينطفئ.
ولعل هذه هي أعظم الهدايا التي يمنحنا الله إياها على هيئة لقاءات لا نخطط لها ولا نتوقعها، ثم نكتشف بعد سنوات أنها كانت من أكثر محطات العمر أثرًا في نفوسنا.
لهذا، كلما سألني أحد: من أكثر الناس تأثيرًا في حياتك؟ لا أستعجل الجواب؛ لأن التأثير لا تصنعه الشهرة، ولا يضمنه المنصب، ولا تمنحه الأضواء. فقد يكون أكثر الناس أثرًا رجلًا مجهولًا، يلتقيه عابر طريق، فيتبادل معه كلمات معدودات، لكنها تظل تنبض في وجدانه أعوامًا طويلة.
وهكذا مضيت في طريقي، وأنا أكثر يقينًا بأن الحياة لا تُقاس بعدد من نعرف أسماءهم، بل بعدد من غيّروا فينا شيئًا نحو الأفضل. وأن الوجوه التي لا تُنسى ليست دائمًا تلك التي تملأ الشاشات، وإنما تلك التي مرّت في صمت، وتركت في الروح أثرًا لا تمحوه الأيام، وكأنها جاءت لتؤدي رسالة قصيرة، ثم انصرفت، تاركة خلفها بابًا مفتوحًا للتأمل، وسببًا جديدًا لأن نؤمن بأن أعظم دروس الحياة قد تأتي من رجل مجهول، في لقاء عابر، لكنه يظل خالدًا ما بقيت الذاكرة!
ملاحظة:
شذرات من كتاب «يوميات خارج المألوف»، وهو عمل قيد الإصدار.



