فقر الوفاء

✍️سلافه سمباوه – كاتبة سعودية :
أفقر الناس من تزدحم حياته بالوجوه ويظل قلبه خاليا من الوفاء. يستقبل المحبة كأنها حق مكتسب، ويعامل أصحابها كأنهم أثاث يضمن بقاءه، ثم يتعجب حين يجد المكان فارغا. كان يظن أن الطيبين يقيمون إلى الأبد، وأن الاعتذار كلمة تؤجل، وأن القلوب التي سامحته مرة ستظل تتسع لكل ما يفعل.
وقد يسمي المرء مراوغته ذكاء، ويسمي اختفاءه انشغالا، ويقدم قسوته في ثوب الصراحة. فإذا واجهه أحد بأثر فعله قلب الحديث على صاحبه، وصار المجروح مطالبا بالدفاع عن وجعه، وصار المخطئ ضحية سوء الفهم. وتلك حيلة قد تنجح في إسكات الحوار، غير أنها تفضح عجز صاحبها عن احتمال حقيقة نفسه.
وراء هذا السلوك أحيانا طفل تعلم أن يخفي خطأه خوف العقاب، أو عاش محبة متقلبة جعلته يخشى القرب ويطلبه معا. وربما نشأ بين أصوات تسخر من الاعتذار وتخلط الرجولة بالغلبة. وهذه احتمالات للفهم، وليست أحكاما على كل إنسان، فالطفولة تترك أثرها، ويظل البالغ مسؤولا عما يصنعه بذلك الأثر في حياة الآخرين.
وتساعد بعض البيئات على استمرار هذا الفقر حين تمدح كثرة العلاقات، وتصور استبدال النساء انتصارا، وتجعل الوفاء سذاجة. فينصرف الإنسان إلى جمع الإعجاب، يسأل كل وجه جديد أن يؤكد قيمته، ثم يمل حين يألفه. يطلب المزيد من اللهو، فيما تتراجع قدرته على معرفة من حضر لمتعته العابرة ومن حضر ليشاركه الحياة.
ومن يترك قراره تحت ألسنة الناس قد يخسر إنسانا اختبر صدقه، إرضاء لمن يعرفون من حكايته نصفها. يسمع التحذير من كل جهة، ويهمل الوقائع التي عاشها بنفسه. والوعي يظهر في حسن التمييز، بين من يختلف معك ويحفظ كرامتك، ومن يجاملك ويستعملك، وبين اليد التي تسندك واليد التي تصفق لسقوطك.
أما ناكر الجميل فيختصر وقفات الآخرين حتى يخفف ثقل مسؤوليته نحوهم. ينسى من سأل في المرض، ومن احتمل اضطرابه، ومن أعطاه وقتا كان أولى أن يمنحه لنفسه. وقد يصدق روايته مع التكرار، فيرى نفسه مكتفيا، فيما يقوم جزء من استقراره على تعب أشخاص لم يسأل يوما عن كلفة بقائهم إلى جانبه.
والطرف الصامت قد يكون أفهم مما يتصور صاحب الحيلة. يرى التناقض، ويلتقط تغير الرواية، ويلاحظ الإخفاء، وقد يعرف الخيانة حين تتضح أدلتها. ثم يصمت حفاظا على خصوصيته وكرامته، أو انتظارا حتى يرتب خروجه. وليس كل صمت مغفرة، فبعضه آخر ما يمنحه الإنسان لعلاقة استنفدت قدرته على الشرح.
وفي هذا الصمت رحمة أيضا، فقد يرفض صاحبه التشهير بمن أحب، ويحفظ له ما عجز هو عن حفظه لنفسه. يعلم أن المواجهة التي تتكرر دون إصغاء تصبح إهانة جديدة، فيختار أن يسترد وقته. ومن الخطأ أن يحسب المتلاعب هذا الهدوء غفلة، فقد تكون الحجة قد اكتملت في قلب صاحبه وانتهى الكلام.
ويبدأ الإصلاح حين يحتمل الإنسان تسمية فعله، كذبت، وتهربت، وأوجعت. ثم يتعلم الصراحة، ويحترم الحدود، ويعتذر دون تحميل المتألم مسؤولية ألمه. وقد يحتاج إلى مساعدة نفسية لفهم مخاوفه وتغيير عاداته، مع تدريب يومي على تحمل المسؤولية. فالندم الذي يترك السلوك كما هو يظل شعورا عابرا مهما اشتدت عباراته.
وإذا استمر النمط فقد تتكرر البدايات وتتشابه النهايات، ويقل الأصدقاء القادرون على الثقة، ويكثر المعجبون الذين يعرفون الصورة وحدها. وأقسى الخسارات أن يفقد المرء القدرة على استقبال الخير حين يأتيه. فالإنسان الطيب يحتاج من يصونه، والمحبة تحتاج قلبا يعرف قيمة ما بين يديه قبل أن يصبح ذكرى.
للتواصل : [email protected]



