كتاب الرأي

“هل نعيش حياتنا فعلاً… أم نكتفي بإقناع الآخرين أننا سعداء”

          ✍️ عبير الميمان – كاتبة سعودية :

نعيش في زمنٍ أصبحت فيه الصورة تتحدث بصوت أعلى من الحقيقة، والانطباع يسبق المعرفة، والظهور يتقدم أحيانًا على القيمة. لم يعد كافيًا أن نعيش اللحظة، بل أصبحنا نشعر بالحاجة إلى عرضها، وكأن جمال التجربة لا يكتمل إلا حين يراها الآخرون.

وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل أصبحنا نهتم بأن نبدو أكثر مما نهتم بأن نكون؟

ليست المشكلة في الأناقة أو الاهتمام بالمظهر أو مشاركة اللحظات الجميلة، بل حين تتحول الصورة من وسيلة للتعبير إلى غاية بحد ذاتها، وحين يصبح الانطباع الذي نصنعه عن أنفسنا أهم من الحقيقة التي نعيشها.

في عالم تتزاحم فيه الصور، قد ينشغل الإنسان بتنسيق تفاصيل المشهد أكثر من عيش اللحظة، وبقياس حضوره في أعين الآخرين أكثر من تقدير أثر التجربة في داخله. وهكذا، تتحول بعض اللحظات من تجارب نعيشها إلى مشاهد نهيئها للعرض، ويصبح السؤال: كيف ستبدو؟ بدلًا من: ماذا تعني لي؟

ومع تكرار هذا النمط، تتسلل المقارنة إلى وعينا؛ فنقارن حياتنا بتفاصيلها الحقيقية بصور الآخرين المنتقاة، وننسى أننا نرى المشهد ولا نعرف ما وراءه، ونشاهد البريق دون أن نعرف ثمنه.

فليست كل حياة جميلة في الصورة مطمئنة في حقيقتها، وليس كل حضور لافت دليلًا على عمق صاحبه.

إن المعنى الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى جمهور كي يكون مهمًا. هناك نجاحات لا تُعلن، لكنها تغير حياة أصحابها، ومواقف نبيلة لا يراها أحد، لكنها تكشف معدن الإنسان، وعلاقات صادقة تزداد قيمة بعيدًا عن الاستعراض.

ويبدأ فقر المعنى حين تنفصل الأشياء عن غاياتها، حين نتعلم من أجل الشهادة لا المعرفة، ونعمل من أجل المكانة وحدها، ونبني علاقاتنا على ما تمنحنا من صورة اجتماعية، لا على ما تمنحنا من مودة وصدق.

ولا يعني ذلك أن نرفض وسائل التواصل أو نقلل من جمال الصورة، بل أن نعيد لكل شيء مكانه الطبيعي، فالصورة تعبير عن الحياة، وليست بديلًا عنها، والظهور لا ينبغي أن يكون معيارًا لقيمة الإنسان.

ربما نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا: هل نفعل ما نحب لأنه يشبهنا، أم لأن الآخرين سيعجبون به؟ وهل نمنح أرواحنا من العناية ما نمنحه لصورنا من الترتيب؟

إن استعادة المعنى تبدأ من قدرتنا على الاستمتاع بلحظة لا نحتاج إلى تصويرها، والاحتفاء بإنجاز لا نحتاج إلى الإعلان عنه، والاهتمام بأثرنا في حياة الآخرين أكثر من اهتمامنا بحجم الانتباه الذي نحصل عليه.

فالصورة قد تمنحنا حضورًا عابرًا في أعين الناس، لكن المعنى هو ما يمنح حضورنا قيمة في الحياة.

وفي نهاية المطاف، لن تُقاس حياتنا بعدد الصور التي تركناها خلفنا، بل بما أضفناه إلى أنفسنا والعالم من حولنا من وعي وصدق وإنسانية.

فحين يهدأ ضجيج الصورة، يبقى السؤال الأهم: ماذا وراءها؟

هناك، في المساحة التي لا تصل إليها الكاميرا ولا تقيسها الأرقام، تتحدد قيمة الإنسان الحقيقية، في أخلاقه، ووعيه، وأثره، وفي المعنى الذي يعيشه حتى حين لا يراه أحد.

للتواصل: [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى