كتاب الرأي

حين يكون اليقين عنوانًا

          ✍🏻 منى الصبياني – كاتبة سعودية:

يمرّ بنا وقتٌ لا نجد له عنوانًا؛ وقتٌ يشتّت هويتنا ويختبر صبرنا، فلا نكاد نجد أنفسنا إلا في حالٍ نستثقل فيها الأحداث ونستنكرها

نحاول أن نمسك بمقود الزمن، حتى لا يفلت من أيدينا، فيقودنا إلى هاوية الحسرة، أو يركض بنا نحو أراضٍ لا ننتمي إليها

فنجدد النيّة مع كل خطوة، ونرفع أكفّ الرجاء في كل حين، ونُصرّ على إكمال الطريق؛ لأننا بدأناه، وسعينا إلى إنجاحه

ولكن، مهما أخذنا حذرنا وغالبتنا الأماني، يظلّ الدرب محفوفًا بالمكاره والأحداث غير المتوقعة. ومهما حاولنا تبسيط الأمور، تبقى ثمة عقبات تعاند مسيرتنا

وما يجعلنا نثابر ونمضي قدمًا هو ذلك الإيمان الذي يلطّف قلوبنا كلما أوشكت على الاحتراق، فنتمسّك به؛ لأنه سلوى أرواحنا وملاذها حين تضيق بنا السبل

فنرى في المعيقات دروسًا تعلّمنا الصلابة؛ فلا نستسلم عند كل موقف عاثر يخالف رغباتنا، مستبشرين بنور قوله تعالى:

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [سورة الشرح: ٥–٦].

فنمضي على ضوء هذا الوعد الرباني في ظلمات يأسنا

فهذه الدنيا لا تصفو لأحد. ولو نظرنا في حياة كل إنسان عن كثب، لتكشّف لنا ما يواجهه من صعوبات، وما يسلكه من دروبٍ بنفسٍ متعبة وخطواتٍ متثاقلة

فليست العبرة في أن تخلو حياتنا من المنغّصات، بل في أن نتعلّم كيف نمرّ بها دون أن تكسرنا، فيزداد يقيننا بأن الله سيُحدث بعد ذلك أمرًا، وأنه سبحانه لطيفٌ بنا، حكيمٌ فيما يقدّره لنا

ولعلّنا لو أدركنا الحكمة الكامنة وراء ما يحدث، لرقّت قلوبنا، واستراحت أرواحنا من ثقل التساؤلات:

لماذا حدث هذا؟ ولماذا كان عليّ أن أحتمل كل ذلك؟ وإلى متى سأبقى على هذه الحال؟

وحين تفرض التساؤلات سطوتها، وتقف الإجابات أمامها عاجزة، ندرك أننا لا نملك من الأمر شيئًا إلا ما أذن الله لنا به

فليس كل من تحدّث عن الصبر استطاع أن يتقنه حين يشتدّ البلاء، وليس كل من رضي استطاع أن يوقف ارتجاف قلبه حين خالفت الأقدار أمانيه

ولكلٍّ منّا رحلته في هذه الحياة، وفي قلب كلٍّ منّا مواطن يسكنها اليقين بأن الله قادرٌ على تغيير الموازين، وأن ما استعصى علينا فهو عليه هيّن

ويكفينا أننا أحسنّا الظن بالله، واستشعرنا معيّته في كل خطوة، حتى ونحن لا نعلم إلى أين سيأخذنا الطريق، ولا كيف سنسلكه.

فلعلّ أعظم ما نتعلّمه في هذه الرحلة ألّا نشترط على الحياة أن تسير وفق رغباتنا حتى نطمئنّ، بل أن نتعلّم كيف تطمئنّ قلوبنا بالله.

فليس اليقين أن نعرف إلى أين نمضي، بل أن نطمئنّ إلى من فوّضنا إليه أمر حياتنا ونحن نجهل ملامح الطريق.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى