الهايك بين متعة الاستكشاف ومخاطر الاستعراض.. في اليوم العالمي للمشي

✍️ فاطمة الغامدي – كاتبة سعودية :
ليست كل قمة نصل إليها إنجازًا، ولا كل صورة نلتقطها دليلًا على شجاعتنا؛ فثمة فرق كبير بين أن نمشي لنكتشف جمال الطبيعة، وأن نخاطر بحياتنا لنثبت للآخرين أننا وصلنا.
هنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف أمامها في رياضة الهايك (المشي الجبلي)، التي تحولت لدى بعض ممارسيها من شغف بالاستكشاف وممارسة صحية تعزز صلة الإنسان بالطبيعة، إلى سباق نحو الصورة الأكثر إثارة، والموقع الأكثر خطورة، والمشهد الذي يحصد أكبر قدر من الإعجاب. وحين تصبح المباهاة غاية، ويتراجع الوعي أمام الرغبة في الظهور، فإننا لا نكون أمام مجرد ممارسة خاطئة لرياضة جميلة، بل أمام ثقافة تستحق المراجعة؛ لأن الحياة ليست مغامرة لإثبات الذات أمام الآخرين، والطبيعة ليست مسرحًا للاستعراض.
لكن هذه الرياضة، التي تقوم على المغامرة الواعية واحترام الطبيعة، بدأت لدى بعض ممارسيها تتحول من تجربة استكشافية إلى وسيلة للمباهاة والتصوير وجمع المشاهدات، وكأن الوصول إلى قمة خطرة أو سلوك مسار مجهول إنجاز يستحق التفاخر، دون إدراك حقيقي لما قد يترتب عليه من مخاطر.
فالهايك ليس استعراضًا، والصورة الجميلة لا تساوي تعريض الحياة للخطر.
إن ممارسة المشي الجبلي دون معرفة بطبيعة المسار، أو تقدير للطقس والتضاريس، أو استعداد مناسب، قد تعرّض الممارس للخطر، وتضع رفاقه وفرق الإنقاذ أمام مسؤوليات كان من الممكن تجنبها بالتخطيط والوعي.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تنظيم هذه الرياضة، من خلال تحديد مسارات معروفة وآمنة قدر الإمكان، ووضع إرشادات واضحة للممارسين، والاستعانة بالمرشدين المؤهلين، وتوفير التوعية اللازمة حول معدات السلامة، والتصرف الصحيح عند تعرض أحد أفراد المجموعة للتعب أو الإصابة أو الضياع.
ولا يقل الحفاظ على البيئة أهمية عن سلامة الإنسان؛ فالجبال والأودية والغابات ليست مجرد خلفيات للتصوير، بل ثروات طبيعية تستحق الحماية. ومن واجب كل ممارس للهايك أن يترك المكان كما وجده، وألا يعبث بالنباتات أو يترك النفايات، أو يتسبب في إزعاج الحياة الفطرية أو الإضرار بمكونات البيئة.
وفي اليوم العالمي للمشي، علينا أن نعيد التأكيد على أن قيمة هذه الرياضة لا تُقاس بعدد الصور المنشورة، ولا بمدى خطورة القمم التي نصل إليها، بل بوعينا، واحترامنا للطبيعة، وقدرتنا على الاستمتاع بالمغامرة دون تهور.
إننا بحاجة إلى ثقافة مجتمعية تجعل السلامة مسؤولية، والمحافظة على البيئة سلوكًا، والمشي الجبلي تجربة واعية يقودها الشغف والمعرفة، لا حب الظهور والمباهاة.
وفي الختام، ليست البطولة أن تصل إلى قمة شاهقة وتعود بصورة تتباهى بها، بل أن تعرف متى تخطو، وأين تتوقف، وكيف تحمي نفسك ومن معك.
إن تنظيم رياضة الهايك وتحديد مساراتها، ونشر ثقافة السلامة، وتعزيز احترام البيئة، ليست قيودًا على حرية المغامرة، بل ضمانات لاستمرارها. فلنجعل من المشي الجبلي مساحة لاكتشاف جمال وطننا، لا ساحة للمنافسة على المخاطر؛ ولنتذكر دائمًا أن القمة الحقيقية ليست تلك التي تعلو فوق الجبال، بل تلك التي يبلغها وعينا حين ندرك أن حياتنا أثمن من صورة، وأن الطبيعة أمانة لا يليق بنا أن نتركها خلفنا مثقلة بأخطائنا.
وتبقى رياضة المشي حياةً للروح وصحةً للجسد، وخطواتٍ صغيرة نحو التوازن والسكينة، وتجددًا للطاقة وصفاءً للفكر.
للتواصل : [email protected]



