كتاب الرأي

حينما تريد ان تتحدث فاستمع جيدا لمن حولك

       ✍️علياء الغامدي- كاتبة سعودية :

ليس الكلام ان تنطق بما يجول في خاطرك فحسب،ولا البلاغة ان تحسن انتقاء الالفاظ وتنسج من الحروف عبارات تأسر الاسماع وتستميل القلوب بل ان من تمام الحكمة ان تعرف متى تتكلم،ومتى تصمت،ومتى تمنح غيرك من حسن اصغائك ما تمنحه لنفسك من حق الحديث.

فاذا اردت ان يكون لكلامك اثر،ولحضورك قدر،ولرأيك مكان بين الناس،فابدأ بالاستماع:فان المرء لا يبلغ من الفهم غايته بكثرة ما يقول، بل بما يحسن سماعه، وما يدركه من المعاني التي تتوارى خلف الكلمات،وما يستنبطه من حكمة بين السطور.

استمع لمن حولك بقلب حاضر وعقل متيقظ،لا تستمع لتعد جوابك،ولا لتترقب لحظة انقطاع محدثك حتى تستولي على الحديث بل استمع لتفهم،وتأمل لتدرك،وتأن لتزن الكلام بميزان العقل والانصاف.فكم من متحدث اخطأ في فهم صاحبه لانه كان مشغولا بصياغة رده،وكم من خصومة اشتعلت لان احد الطرفين اراد ان ينتصر لكلمته قبل ان يفهم كلمة غيره.

ان حسن الاستماع ادب لا يتقنه الا من عرف قدر الانسان، وادرك ان لكل نفس حكاية،ولكل قلب وجعا،ولكل عقل زاوية يرى منها الحياة.وليس من الحكمة ان تظن انك تملك الحقيقة كلها،او ان تجربتك تغنيك عن تجارب الاخرين فرب كلمة تسمعها من بسيط تغير فيك فكرة راسخة،ورب رأي يأتيك من مخالف يفتح امامك بابا من الفهم لم تكن تراه.

واعلم ان الناس لا يميلون الى من يحسن الحديث وحده، بل الى من يشعرهم ان اصواتهم مسموعة،وان افكارهم محل اعتبار،وان مشاعرهم ليست هامشا في مجالس الكلام. فالاصغاء الصادق رسالة صامتة تقول لصاحبها:انك جدير بالاهتمام،وان ما تقوله يستحق ان يمنح وقته،وان وجودك ليس عابرا في هذا المجلس.

وليس معنى الاستماع ان توافق على كل ما تسمع،او ان تتخلى عن رأيك ارضاء للآخرين بل ان تنصفهم في الفهم قبل ان تخالفهم في الحكم،وان تمنح الفكرة حقها من التأمل قبل ان تردها،وان تجعل اختلافك دليلا على سعة عقلك لا ذريعة لسوء خلقك.فالعاقل من يستطيع ان يخالف دون ان يجرح،ويناقش دون ان يتعالى، وينتقد دون ان ينتقص.

وما اجمل ان يكون صمتك في بعض المواقف ابلغ من حديثك،وان يكون اصغاؤك مفتاحا لقلوب طال اغلاق ابوابها،وان تكون كلماتك ثمرة فهم عميق لا ردة فعل عابرة. فليس كل ما يعرف يقال،وليس كل ما يقال ينفع،وليس كل من اكثر الحديث احسن البيان.

فاذا هممت بالكلام،فتذكر ان اللسان لا يزداد حكمة بكثرة حركته،وان العقل لا يزداد نضجا بكثرة جداله،وانما تسمو الكلمة حين تخرج من نفس فهمت،وعقل تأمل،وقلب عرف للناس اقدارهم.

تحدث حين يكون لحديثك معنى،وانصت حين يكون في انصاتك علم،واصمت حين يكون الصمت احكم.واجعل شعارك في مجالس الحياة ان حسن الاستماع اول مراتب الفهم،وان الفهم اساس الحكمة،وان الحكمة هي التي تمنح الكلام قيمته ومكانته.

فمن اراد ان يحسن الحديث،فليتعلم اولا كيف يحسن الاستماع،اذ كيف لمن لم يحسن فهم الناس ان يرجو ان يفهموه،وكيف لمن لا يمنحهم فرصة للكلام ان ينتظر منهم ان يصغوا اليه؟

انصت جيدا”فربما كان في كلام غيرك ما ينقص علمك،وفي تجربته ما ينير دربك،وفي صمته ما يعجز عنه كثير من الكلام..”

[email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى